والد اندريه تاركوفسكي هو الشاعر المعروف ارسيني تاركوفسكي مترجم ابي العلاء المعري الى اللغة الروسية. ربما كان ذلك احد الدوافع لالتحاقه نفسه بقسم اللغة العربية في معهد الاستشراق بموسكو عام 1951 . للاسف الشديد وربما لحسن الحظ لم ينه اندريه هذا المعهد لسوء صحته . وادرج اندريه الذي رأى ان الايقاع هو احد المكونات الرئيسية للسينما المعاصرة ادرج اشعار ابيه في افلامه مستوحيا افكاره التي انحصر مضمونها الرئيسي في تحضير الانسان للموت والارتقاء بروحه حتى تكون قادرة على فعل الخير. اما امه فكانت ممثلة قامت فيما بعد باداء الادوار في افلامه. وقع الطلاق بين ابويه وهو في الخامسة من عمره. وبقي اندريه يعيش مع والدته التي انتقلت من مسقط رأسه في قرية زافراجيه في مقاطعة ايفانوفو الى موسكو حيث صاراندريه يتعلم في مدرسة واحدة مع اندريه فوزنيسينسكي الشاعرالسوفيتي البارز مستقبلا. ويقول اصدقاؤه من ايام التلمذة انه كان يتصف بشعور الانتماء الى النخبة منذ السن المبكرة. وكان يطلب من المدرسين دوما ان يعاملوه كأنه حر بين الاحرار.
درس تاركوفسكي في كلية الاخراج بمعهد السينما الحكومي في موسكو الذي انتسب اليها عام 1955 جنبا الى جنب مع فاسيلي شوكشين واندرون كونشالوفسكي وعليم كليموف. وكان اندرون كونشالوفسكي اقرب صديق له. وانهما تعاونا في اعداد الافلام الطلابية. وحاز فيلم "ملعب التزحلق والكمان" الذي اخرجه اندريه في المعهد على الجائزة الاولى في مهرجان الافلام الطلابية عام 1961 في نيو يورك.
وسبق فيلم "اندريه روبليوف" فيلم "طفولة ايفان" الذي كان اول نجاح له على حلبة السينما العالمية حيث لم يبرز تاركوفسكي قدرته على عرض احداث سطحية فحسب بل وأظهر تأملات باطنية عميقة لدى ابطاله. وتحدث الفيلم عن الحرب بلغة صادقة ومأساوية وفلسفية. وعرض الفيلم عام 1962 . وتم ترشيحه فورا ليشارك في مهرجان البندقية السينمائي حيث حاز على جائزة "الاسد الذهبي". ومنذ ذلك الحين صار المجتمع السينمائي في الغرب يتابع ابداع ومصير تاركوفسكي ببالغ الاهتمام.
ثمة فيلم آخر من اخراج اندريه تاركوفسكي ينتمي الى الرصيد الذهبي للسينما العالمية، وهو فيلم "سولاريس" ( عام 1972) حيث تناول المخرج رواية خيال علمي للروائي البولندي ستانيسلاف ليم. وتكمن الفكرة الرئيسية للفيلم في ان كل ما يفكر فيه الانسان من الافكار الطيبة والسيئة وكل ما يتصرف من تصرفات الخير والشر لا يزول بل يظل يعيش مشكلا محيطا ذهنيا واخلاقيا وجماليا يولد وحوشا تعذب نفسه وروائع يبدعها . ولا داعي للتحليق الى عوالم اخرى بحثا عن كائنات حية صديقة او معادية لان الانسانية قد شكلت لنفسها محيط "سولاريس" الذي يجمع بين العالمين المادي والمثالي والذي يجسد اوهامها وطموحاتها وامنياتها او بالاحرى يجعلها تتحول الى واقع مادي.
وتلا "سولاريس" فيلم اطلق تاركوفسكي عليه تسمية"المرآة" (1975). حيث توغل المخرج في اعماق نفسه وذكرياته الباطنية مستوحيا اشعار ابيه ارسيني تاركوفسكي التي تواكب الفيلم كله وتعطيه ايقاعا شعريا وفلسفيا خاصا. وحين يسمع المشاهد ابياتا تتردد وراء الشاشة مثل " - لست اخشى لا من الهواجس والوشاية ولا من السم /لست أهرب / فلا وجود للموت في هذا العالم/ كل شيء أبدي أبدي/ لا يجب أن نخشى الموت لا في السابعة عشرة ولا في السبعين / توجد فقط حقيقة ونور / لا ظلام لا موت في هذا العالم / ونحن الآن جميعاً على الشاطئ البحري / وأنا أحد الذين يختارون شباكهم" – يدرك علاقة عضوية اقيمت بينه وبين ابيه الشاعر. ومن جهة اخرى يعتبر الفيلم فيلما سرياليا يعرض شتى الذكريات والهواجس والاوهام الغامضة.
ثم جاء فيلم " المقتفي" (1979) الذي تقترن فيه محاولات الاقتراب من العنصر الغامض في العالمين الخارجي والداخلي. وتم اخراج الفيلم على اساس قصة بقلم الاخوين الروائيين الروسيين اركادي وبوريس ستروغاتسكي. وكان " المقتفي" فيلما اخر فيلم اخرجه تاركوفسكي في الاتحاد السوفيتي. وكانت افلامه تتعارض مع ربرتوار السينما السوفيتية التي طالبت الفنانين بتبييض صورة النظام الشيوعي وإبراز ايجابياته. وشعر تاركوفسكي بانه منشق روحيا في محيطه الفني فطلب من السلطات ان تسمح له بمغادرة الاتحاد السوفيتي ليصور فيلم "الحنين" (1983) الذي قام الممثل الروسي المعروف اوليغ يانكوفسكي باداء الدور الرئيسي فيه. وهو حنين ليس الى الوطن فقط فحسب بل والى الايمان والمعجزة والضمير الحي. واعتقد تاركوفسكي ان جيله يفتقد الى الايمان بالله، مما يتسبب في وقوع مصائب ومعاناة . وبالرغم من ان الفيلم كان خاليا من اية سياسة فقد حظر عرضه في الاتحاد السوفيتي بعد ان بقي تاركوفسكي يعيش في ايطاليا ورفض العودة الى الوطن.
باشر اندريه تاركوفسكي العمل في السويد باخراج فيلمه الاخير "القربان" ( 1986) وهو مصاب بمرض السرطان الخطير. وفيلمه هذا عبارة عن حكاية فيها مغزى فلسفي تكرس اساسا الى الموت وتحضير الانسان له. يروي الفيلم قصة عالم كان ممثلا في الماضي. ويصادف عيد ميلاده يوما قد يتحول الى الموت للجميع لان صواريخ نووية قد انطلقت. وعقد بطل الفيلم اتفاقية مع الله ليخلص العالم من الكارثة القادمة. فطرح سؤال : بما يمكن ان يفتدي؟ - هل يفتدي بممتلكاته او نمط حياته اوربما بحياته كلها. وقال اندريه تاركوفسكي ان الانسان يمكن ان يستعيد علاقته بالحياة من خلال تجديد الاصول التي ترتكز عليها نفسه. ويعني القربان ان كل جيل يجب ان يفتدي نفسه من اجل ابنائه.
وكان تاركوفسكي يبحث فترة طويلة عن موقع يصور فيه مشهد الكارثة النووية. ثم عثر على نفق وساحة مكنته من تصوير هذا المشهد المأساوي. وبعد اغتيال رئيس الوزراء السويدي اولوف بالمة في فبراير/شباط عام 1986 اتضح انه وقف في موقع تم تصوير هذا المشهد منه.
ازدادت صحة تاركوفسكي سوءا بعد الانتهاء من اخراج الفيلم، ووافاه الاجل المحتوم في 29 ديسمبر/كانون الاول عام 1986 في باريس حين كان في سن 54 عاما. وتم دفنه في مقبرة /سانت جينفيف دي بوا/ في ضواحي باريس حيث ابدع النحات الروسي المعروف أرنست نيأيزفيستني نصبا تذكريا وضع على قبره و كتب عليه "الانسان الذي رأى ملَكا".
يعتقد الكثير ان السبب الرئيسي لموته هو حنينه الحاد الى الوطن الذي منعه من حرية الابداع.
اعداد يفغيني دياكونوف.







التواصل الاجتماعي