25.05.201016:56

أندريه فوزنيسينسكي شاعر سوفيتي مجدد

أندريه فوزنيسينسكي شاعر سوفيتي مجدد
RIA NOVOSTI / Vladimir Fedorenko
أندريه فوزنيسينسكي شاعر سوفيتي مجدد

بقلم د. أيمن أبو الشعر

أندريه فوزنيسينسكي من مواليد موسكو عام 1933 وكان مولعا بالفن والشعر منذ طفولته، لم ينخرط في معهد الآداب تمثلا لنصيحة باسترناك الذي كان بالنسبة له معلما إبداعيا ، فدرس الهندسة المعمارية وتخرج مهندسا عام 1957 .وبدأ بنشر قصائده منذ عام 1958 . وقد لفت فوزنيسينسكي الأنظار بمنهجه الإبداعي المتميز وطبيعة التصوير ذي البنية الاستعارية وكان في البدايات  من شعراء التجمعات الكبرى التي بدت كظاهرة واسعة في الستينات حيث ظهرت اهتماماته الأممية الإنسانية وقلقه على مصير العالم . وتعمقت التوجهات التجديدية الحداثية في منهجه الشعري ، واتهم بالشكلانية إلا أنه تابع نهجه مطورا أساليبه في الغوص نحو العلائق الخفية للعالم الجمالي مع مسحة من التحليل النفسي المتواري خلف ظاهر الصور الشعرية . ويعتبر فوزنيسينسكي من أشهر شعراء الحداثة الروس المعاصرين بما في ذلك خصوصية اللغة الشعرية والتكوين الموسيقي الداخلي وقد أثر في نهجه هذا كونه مهندسا معماريا ورساما مبدعا .

وقد صدر لفوزنيسينسكي اكثر من عشرين ديواناً لاشعاره وقصائده الى جانب الليبيرتو الشهير الذي نظمه لاوبرا الروك السوفيتية الاولى "يونونا و افوس"، التي تعرض منذ حوالي ربع قرن على خشبة مسرح "لينكوم" في موسكو. ومن مجموعاته الشعرية /المنحنى/ ثم مجموعة /الفسيفساء/ عام 1960 و/ العوالم المعكوسة/ عام 1964 و/ مشاعر مبهمة/ عام 1981  ...
يعكس في معظم قصائده الوجدانية أجواء العلاقات المعقدة في العالم الداخلي للانسان المعاصر برؤية فلسفية خاصة .

قصائد لفوزنيسينسكي

غويا (1)

غويا أنا
نَقرَ الغرابُ محاجِري
من ثمَّ حلَّقَ فوقَ حقلٍ أجردِ
أنا فاجِعة
صوتٌ أنا
صوتُ اندلاعِ الحرب
صوتُ المدائنِ تحتَرِق
فوقَ الثلوجِ لعامِ واحدٍ وأربعين
أنا الجوع
أنا حُنجُرة
للمرأةِ المشنوقةِ الْجُثمانُها
أمسى يَدُقُ كأنَّ ناقوساً تدلى
 فوقَ عُريِ الساحَةِ
غويا أنا
أيَّتها العناقيد
جاءتْ عناقيدُ العِقاب
وثبتُ نحوَ الغربِ كُلي دُفعةً
إنّي رمادُ الزائرِ المُتطفِلِ
مثلَ المساميرِ النجومُ غرزتُها
في عمقِ ذاكرةِ السماء
غويا أنا
1- غويا- الفنان الإسباني الشهير فرانسيسكو دي غويا 1746 – 1828

  *********

الحنين إلى الأصالة

لستُ أدري ما يحسُّ الآخرون
غير أنّي أشعرُ الآنَ بأنَّ القلبَ وجدٌ يعتريه
ليسَ بالماضي يَتيه
بلْ إلى ما نحنُ فيه
وأراني مثلَ راهب
قصدُهُ للهِ دربُ
غيرَ أنَّ الدربَ أفضى
لرئيسِ الديرِ في الدنيا وحَسْبُ
هكذا دوماً أصلي للوصولِ
دونَ جسرٍ للحقيقة
وكأنّي قد فعلتُ
أيَّ شيءٍ ما غريب
بل لعلَّ الآخرين
أرتمي في المرجِ وسطَ الغابةِ
وأحسُّ التوقَ للأرضِ الأصيلة
أيُّ إنسانٍ هنا لن يستطيعا
عنكِ إبعادي ولكنّي كأنّي
بِحنيني في عناقِك
خائفٌ أن يخطفوكَ الآنَ مني
غرفةُ الإبداعِ نحوَ الروضةِ الغناءِ مفتوحَة
غيرَ أنّي لستُ أصبو للنتاجِ
إنّني ما زلتُ ألهثُ للأصالة
عندما ترنو لأسماعي عباراتٌ ذليلة
من رفيقٍ مُتعثِر
سوفَ لا أبحثُ عما فيه من إثمٍ ولكن
عن أصيلٍ فيهِ أبحث
من لَهُ أصفو وأحزَن
كلُّ شيءٍ قد غدا – حتى ثيابُ
الخيشِ أيضا – من بلاستيك
كمقالٍ عابرٍ عفتُ الحياة
في الغدِ الآتي سنمضي لن نكون
والكنائسُ آهِ تبقى
عندما ترنو وتَضَحك
قربَ وجهي تتغابى ( المافيا )
أهتفُ الحمقى هنا كانوا زَمانا
غيرَ أنَّ الوعيَ في الحاضرِ ينمو ويُدرك
أفتحُ الصنبورَ يهمي منه ماءٌ أسودُ
ثم يهمي مِنهُ ماءٌ أحمرُ
 نثراتٌ من حديدٍ طافيَه
ومياهٌ نتِنَة
سوف أنتَظِرُ المياهَ الصافيَه
ما مَضى بي قد مَضى للأفضلِ
غيرَ أنّي سأعضُّ الآنَ كالسرِّ لساني
صامتاً لن أنطقَه
وأعاني ما أعاني للحقيقة
ما سيأتي – مدركا – لن ألحقَه
  *********

تمر السنون

من خلفِ جذعٍ أحَدِّق
بوجهِ وُرَيقة
بنظرةٍ ضَنينةٍ أفعوانيَّة
وأرى كيفَ ومَضَ وجهُها فجأة
تماماً كريشةٍ خالِدة
تمرُّ السنواتُ كحمأة
وينقرُ السمكُ الطعمَ
لن يسمحوا لكَ أن تأخذَ معكَ (1)
هذا الروضَ المستحيلَ جَمالا
لذا أحوطُه بنظرةٍ نهمةٍ من كلِّ جانب
نظرةِ وداع
ما دمتَ تحب
فبالنظرِ لا بدَّ تُعبِّرُ أكثر
(1) في مثل هذا السياق يستخدم بالروسية ضمير المخاطب ويقصد به المتكلم نفسه
    **********
الخريف في سيكولد

أتدلّى مِن رُدهةِ العرَبَة  
   الوداع
آهِ ياصديقي الوداع
آنَ الرحيل
ها هُم على منزِلي الصيفيِّ
 يقرعونَ بالمطارقِ مُسمِّرين
إنّهم يُسمِّرون منزلي الخشبي
ألقتِ الغاباتُ عن نفسِها الفِنن
فارغةٌ هي الغاباتُ وحزينة
كعلبةِ أوكورديون انتزعوا مِنها الموسيقا
نحنُ بَشر
نحنُ أيضا خوالٍ
إنَّه الأمرُ المُحتَّم
نخرجُ عن مئاتِ الأمهاتِ والنساء 
وهذا هوَ النظامُ السرمدي
الوداع يا أمي
خلفَ النوافذِ ستقفينَ
بشفافيةٍ كالشرنَقَة
تعبتِ طوالَ النهارِ كما يبدو
فلنجلِس (1)
أيها الأصدقاء كونوا سالِمين
الوداع
أنتم الآنَ تخرجونَ مني مُهرولين
      معَ الصفير
وأنا أخرجُ مِنكم
آهِ أيها الوطن سَنتَوادَع
قد أغدو نجمةً أو صَفصافَة
لن أبكي فلستُ مُستجديا
شكراً أيتها الحياة لأنكِ كنتِ في الدريئة
هدَّفتُ في دائرةِ العشرة (2)
وحاولتُ أنْ أصيبَ المئة
شكراً لأنني أخطأت
ولكنْ شكراً ثلاثَ مراتٍ
لدخولِ البصيرة
 في ألواحِ عظمِ الكتفِ الشفافَة
كما تدخلُ قبضةُ رجلٍ حمراءَ
في قفازٍ من الكاوتشوك
أندريه فوزنيسينسكي سيَبقى
لكن أولى لو أبقى فوقَ خدِّك الغضِّ ( أندريوشكا ) (3)
شكراً لأننا التقينا في الأحراشِ الخريفيّة
وسألتِ أنتِ شيئا ما
ثم سحبتِ كلبَكِ الصغيرَ من الطوق
وهو يُعانِد
لقد حَيِيتُ من جَديد
شكراً للخريف
لأنكِ أوضحتيني لنَفسي
صاحبةُ البيتِ كانت توقِظنا في الثامنة
وفي الأعيادِ كانت تُغني الأسطوانة
بصوتٍ أبحٍّ عميق
على نمطٍ  مُبتَذل
شكراً
ولكنْ ها أنتِ ترحَلينَ
ترحَلينْ
كما القطارُ يرحَلُ ترحلين
تخرجينَ من أياميَ الخاوِيَة
يرحَلُ واحدُنا من داخلِ الآخرَ
باتجاهينِ مختلفين
وبماذا ليسَ يُرضينا هذا المنزل
أنتِ بِجانِبي
وفي مكانٍ بَعيد
مكانٍ ما بَعيد
تقريباً في فلادي فوستوك (4)
أنا أعرفُ أننا سنتكرَّرُ في الأصدقاء
والصديقاتِ والأعشابِ الصغيرة
سيحلُّ محلَّنا هذا وذاك
الطبيعةُ تخشى الفَراغ
شكراً للفِنَنِ المخلوعَة
بدلاً منها ستأتي الملايين
فشكراً على قوانينِكُم هذه
لكنَّ المرأةَ خلفي تُسرِع
تسرعُ في المنحدراتِ
كورقةٍ خريفيةٍ متأجِجة
النجدة !!
     **********
(1) – من العادات الروسية أن يجلس المسافرون والمودعون بعد أن ينهضوا لبرهة من الزمن ثم ينهضوا من جديد
(2) في الدريئة التقليدية عشرة دوائر وهو يقصد أنه كان يطلب المستحيل
(3) أندريوشكا تصغير تحببي من اسم أندريه
(4) فلادي فوستوك مدينة في أقصى شرق روسيا

 

print favorite rss
الكلمات الدليلية المستخدمة: الأدب الروسيالكلمات الدليلية

تعليقات Facebook