بقلم د. أيمن أيمن أبو الشعر
كانت ولادة الشاعر بولات اكودجافا في موسكو عام 1924 ، وكان قدره كما كان قدر معظم المبدعين أن ينخرط في صفوف المدافعين عن الوطن، فتطوع وذهب إلى الجبهة عام 1942، وعايش أجواء الحرب الوطنية العظمى وانعكست في كثير من قصائده.
في الخمسينات عمل في سلك التدريس وكان قد بدأ نشاطاته الإبداعية وعمد إلى النشر في بعض الصحف والمجلات. صدر ديوانه الاول تحت عنوان "أشعار وجدانية" عام 1956 وتتالت مؤلفاته الشعرية إثر ذاك من مثل "الجُزر" عام 1959 و"الطبل المرح" عام 1969 .
للشاعر تميزه الأسلوبي الخاص ، فهو يغني أشعاره بنفسه بمصاحبة الغيتتار، ويتحدث عن شؤون الحياة اليومية بطابع لا يخلو من السخرية المبطنة في كثير من الأحيان ، إلى جانب التركيز على طبيعة العلاقات الإنسانية في حركة الواقع ، وبطله الغنائي بريء تتقاذفه أمواج الحياة المتنوعة والمتناقضة مع مزج واضح للحكمة الشعبية ، والاتكاء على الفولكلور ، وهو عموما ذو طابع متفائل . يعتبر أكودجافا من الشعراء الذين حاول قراءة الناس ببساطتهم وهمومهم من هنا تبرز بكثرة صورة الأحياء والحارات والحوادث اليومية في أشعاره بلحمة فنية ذكية ومعبرة مما جعل أشعاره تنتشر بسرعة في هذه الأوساط ، وتغدو محفوظة غيبا ويرددها الناس في كل مكان كما كانت أمسياته حاشدة.
كتب أكودجافا قصائد للأطفال والعديد من سيناريوهات الأفلام وله مؤلفات في المجال النثري .
قصائد لبولات أكودجافا
تنويعات على الفالس
عازفٌ عابِرْ
قبَّلَ المِزمارْ
واللحنُ فيهِ انساحْ
بِبساطةٍ عندَ الصَباحْ
هكذا دونَ اكتراث
ليس يهواكِ أفيقي
كانَ ربُّ الكونِ عونكْ
هاهنا فوقَ الكتِفْ
أسندي الرأسَ إليّ
يومَهُ الثالثَ يُمضي
قاطِنا في فندقِ الحيِّ الرَخيصِ
حيث مأواهُ بروبلٍ واحدٍ في كلِّ ليلة
قربَ نافذةٍ تضيقْ
يَنفخُ المزمارَ يَغلي
مثلَ إبريقٍ عَتيقْ
لاهثَ الأنفاسِ قربكْ
وأنا وَحدي أُحِبكْ
في وداعَةْ
أنتِ دوماً تنصتينْ
في سكونٍ ساهِمةْ
مثلما لو بلبلٌ غنّى هُنا
مثلَ أمطارٍ وموجٍ في اندِفاع
لكأنَّ الحُنجُرَةْ
في كِوى البوق الكبيرِ مُزَكَّمَةْ
تشخرُ اللحنَ بِقوة
للنايِ .. يانايُ .. بالناي
يعزفُ اللحنَ الحَزين
يَتندّى عَبْرَ مَدرج *
شاخراً في لَحنِهِ
ساعلاً وسط الشخيرْ
مثلما رسمُ القَدرْ
كُلُّهُ وسْطَ الإِطارْ
في حدودِ النافِذةْ
ليسَ يهواكِ وإنّي
إنَّني وحدي أُحِبك
سوفَ تأتي أفضلُ الأيامِ تأتي
أرتدي ثَوبي الجَميلا
سابحاً قربَكِ رعشا
مثلَ أوراقِ الخَريفْ
هل كثيراً ما أريد؟
حينَ أُعطي كلَّ شيءٍ قدرَهُ
أو ما بهِ حقاً خَليقْ
أطيبَ العمرِ أعيشُ
بافتِتاني بكِ أنتِ
لن يغاويكِ أحَدْ
بالشهيِّ من الطعامِ وبالثيابْ
عازفٌ يشدو بمزمارٍ عَبَرْ
كلَّ هذا الكونِ قربَ البوقِ محمومِ النحاس
قدِّري لي من قَدرْ
يامقاديرَ القَدَرْ
* المقصود المدرج الموسيقي
النمل
كم بِودي أنْ أُصلي
عاشقاً أحداً أُصلي
فكِروا ماذا حَدَثْ
كائنُ النملِ البسيط
ودَّ أنْ يجثو ويَركع
كي يقيسَ مَدى افتِتانِه
عندَها غابَ الهدوء
عن فتى النملِ وفَكَّرْ
كلُّ شيءٍ باتَ يبدو مُستعاداً ومُكرَّر
ولهذا من صميمِ الروحِ خلَّقَ آلِهة
في إطارٍ من رُؤاه
مرَّتِ الأيامُ سبعَة
ذاتَ لحظة
دونَ شاراتِ السماء
عَبْرَ نيرانِ الليالي قد تجلَّت في جَسَد
والرِداءْ
كانَ هفهافاً خَفيفا
أشرعَ الأبوابَ في البيتِ تَناسى
ماالسعادةُ والألَم
قبَّلَ الكفين حيثُ الريحُ أضنتْ راحَتيها
قدَميها والحذاءَ الرثَّ قبَّلْ
راقَصَت ظليهما عتبةُ الدارِ حَنينا
يحكيان بكلِّ صمتٍ كيفَ كانا
رائعينِ وحكمةٌ غطتهما كالآلِهة
وحزينينَ هُنا
مثلَ أهلِ الأرضِ في هذي الدُنى
*********
كلمتان عظيمتان
لا تخشَ اللفظةَ – دَم –
فهوَ الرائعُ دوماً
وهو الأحمرُ واضحْ
قلبيُّ الإحساسِ مُسامِح
وبقافيةِ الخضبْ
يَتلاقى والحُبْ
هذي القافيةُ المُرتَسِمَةْ
منذُ قديمٍ مُنسجِمة
أوَلمْ تُقسِم بالدَّمْ ؟
فحرارَتُهُ لا مندوحةَ عنها
حينَ وحيداً ذاتَ مَساءْ
واجهتَ رصاصَ الأعداءْ
حينَ أُصِبتَ بمعركةٍ وسَقَطت
صدحَ نشيدُك
لفظةَ حبٍّ
لفظةَ خَضبْ
رائعتينِ كبجعٍ أحمَر
حينَ أضعتَ الدربَ وضِعت
في أصقاعِ الأرضِ كذرةِ رَمل
لفظةُ حبٍّ لفظةُ خَضب
رائعتانِ وترتعشانِ بِغنوةِ قلبِك
وارتجفَ العالمُ لكنَّ الأغنيتين
وسْطَ البردِ ووسْطَ اللهبِ
وفي الأعماقِ اتحدا
حتى لا يُمكنُ فصلُهما أبدا
لا تقنعْ إنْ قالَ طبيبٌ ينصحْ
أن الدمَّ سيغدو انقى
إن تلتهم الجزرَ بكلِّ صَباح
**********
السنونوة
سنونوَّةٌ عصفورةٌ رنّانَة
هي الملاكُ عشُّهُ
هنا بسقفِ منزلي
لمِ انكفأتِ حلِّقي
الشمسُ هاكِ تسطَعُ
على التلال
وعابقٌ من البعيدِ موقِدٌ
يفوحُ بالدُخان
إن شئتِ هذي النافِذَة
فتحتُها أشرعتُها لأجلِكِ
إلى انعتاقٍ رائعٍ يا أختُ كي تُصفِقي
يا أنتِ ياسنونوة
طويلةٌ سنينُنا
ونحنُ في انتظارِ حظِنا
فدعكِ من همومِنا
وعن جناحيكِ انفضيها
هما عطايا وادِعَةْ
ونعمةٌ للقلبِ تبقى رائِعَةْ
تُرى كثيراً ما أودُّ من الهَناء
في أنَّ حُلمي أنْ تكوني في السَماء




التواصل الاجتماعي