ليس جبل الجليد الذي ارتطمت به "تيتانيك" هو من تسبب بأكبر كارثة بحرية في التاريخ، بل الربان السوفيتي ألكسندر مارينيسكو الذي اغرق بغواصته في اثناء الحرب العالمية الثانية سفينة النقل الحربية الالمانية "فيلهايم غوستلوف" التي كانت ممتلئة عن آخرها بضباط الجيش والاسطول الالماني.
كانت "فيلهايم غوستلوف" من اكبر سفن النقل في العالم آنذاك. وبلغ طولها 208 امتار. وارتفاعها 40 مترا ، وفيها مئات الغرف وعشرات الصالونات التي تتسع لـ 1470 مسافراً . وتم انشاؤها عام 1938 في مصنع مدينة هامبورغ الالمانية. ولم تخصص السفينة حينذاك لأصحاب الملايين بل تم تصميمها كمستشفى عائم. وبحلول عام 1940 تم تسليم السفينة الى قيادة سلاح الغواصات الالماني التي حولتها الى ثكنة عسكرية عائمة لخدمة طلبة سلاح الغواصات.كانت ألمانيا في يناير/كانون الثاني عام 1945 على وشك الهزيمة في الحرب العالمية الثانية. وكان الجيش السوفيتي يطور هجومه من الشرق بوتائر لا مثيل لها قاطعا مسافة 300 كيلومتر كل اسبوع. وتحول ميناء هامبورغ الالماني وغدينيا البولندي لبوابة كان يفر من خلالها الى الغرب موظفون نازيون ونخبة الجيش والسكان المحليون المتعاونون مع النازيين .
وكان اول من صعد الى ظهر "فيلهايم غوستلوف" هم ضباط الجيش والاسطول الالماني واجهزة الامن "اس اس" والموظفون النازيون الكبار بمن فيهم 22 رئيسا للاقاليم في بروسيا الشرقية وبومبرانيا وضباط الامن الذين رافقوا ملفات الوثائق السرية التي كان يتم تهريبها للخارج ، وكتيبة النساء الضاربة بتعداد 400 فرد و370 طبيبا وممرضا وطلبة سلاح الغواصات الالماني بتعداد من 970 الى 1700 شخص وفقا للاحصائيات المختلفة. وشغل اللاجئون والجرحى بقية المقاعد . وحسب السجل الرسمي فان السفينة كانت تقل على متنها عند الاقلاع 6470 راكبا بالاضافة الى 173 فردا للطاقم. ولكن التحق بها بعد انطلاقها مئات المراكب والقوارب الصغيرة التي كانت تحمل الفارين من تقدم الجيوش السوفيتية ، بحيث قدر العد الاجمالي لركاب السفينة بزهاء 9000 فردا. وتوجهت السفينة نحو ميناء هامبورغ الالماني.
بمجرد انطلاق السفينة الالمانية من ميناء غدينيا البولندي حدث خلاف في قيادتها حول طريقة السير والوجهة. واعتبر البعض انه من اجل تلافي الغواصات المعادية ينبغي السير ببطء وتغيير المسار من وقت الى آخر. واعتبر البعض الاخر انه من الضروري السير بسرعة قصوى لتفادي هجوم الطائرات. وقرر ربان السفينة ان الـ 1300 سفينة ألالمانية المرابطة في بحر البلطيق وحقول الالغام العديدة التي زرعها المهندسون الالمان في مياه بحر البلطيق هي حماية كافية من الغواصات الروسية. ولم يتوقع احد من قادة السفينة ان تتغلغل الى خليج دانسينغ غواصة سوفيتية يقودها الرائد البحري ألكسندر مارينيسكو.
كان الكسندر مارينيسكو من اصل مولدافي. وولد في 2 مايو/آيار عام 1913 في مدينة اوديسا الاوكرانية. وكان يصف نفسه دائما بانه من اهالي اوديسا الذين يحبون المزح والمرح والمغامرات الغرامية والحربية. لذلك اوصل غواصته الى مكان لم يتنبأ احد بان تصل اليه سفينة معادية، وهو خليج "شتولبي" الالماني القليل العمق في مرفأ دانسينغ حيث استطاع من موقعه هذا ان يعترض سير سفينة "فيلهايم غوستلوف" الكبيرة البيضاء، وبدأ في مطاردتها الى ان اقترب منها على بعد 500 متر لكي لا يخطأ في اصابتها.
واطلقت غواصة مارينيسكو اربعة طوربيدات. ولكن واحداً منها لم ينطلق حتى النهاية واخذ يراوح في مكانه، الامر الذي كاد يغرق الغواصة. بيد ان البحارة السوفيت تمكنوا من سحبه الى داخل السفينة. الا ان بقية الطوربيدات اصابت وسط "فيلهايم غوستلوف" ومؤخرتها. وحدث ذلك في الساعة التاسعة والدقيقة الثلاثين مساءا يوم 30 يناير/كانون الثاني عام 1945. ثم اختفت الغواصة السوفيتية عن الانظار . واستطاعت المدمرات والبواخر الالمانية التي هرعت الى مكان الحادث انقاذ 1252 شخصا فقط الذين مات منهم 36 بسبب البرد القارس.
واثار اغراق سفينة "فيلهايم غوستلوف" غضب هتلر الذي علم بنبأ هلاك 70% من افراد اطقم الغواصات الذين كان يعول على استخدامهم في غواصاته الحديثة ، ليس فقط لحماية الرايخ الالماني ، وانما كما يبدو لاغراض اخرى ايضاً . فقد تم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية العثور على غواصات المانية مزودة بالوقود وبالمؤن والاغذية اللازمة لامد بعيد ، وهي تقبع مختفية في قعر بحر البلطيق والمحيط الاطلسي. ويعتقد البعض ان هتلر قرر الانتقام من الحلفاء حتى بعد موته لهزيمته في الحرب واغراق السفن الروسية او الامريكية وثارة الشكوك بين حلفاءالامس الامريكان والروس وحملهم على محاربة بعضهم البعض.
وبدا ان الرائد البحري مارينيسكو استحق ليمنح لقب بطل الاتحاد السوفيتي. الا انه قام باغراق سفينة "الجنرال شتويبن" الالمانية التي كانت تحمل على متنها 3000 جريح وطبيب ألماني، وذلك بعد مرور 10 ايام من اغراقه لـ "فيلهايم غوستلوف". لذلك اكتفت القيادة السوفيتية بمنحه وسام "النجمة الحمراء" فقط ، انطلاقاً من اعتبارات اخلاقية .
لا يمكن وصف سيرة حياة مارينيسكو بانها سعيدة بالرغم من مآثره البطولية العديدة إبان الحرب مع الالمان في البحر. وصدر في سبتمبر/ايلول عام 1946 امر قائد القوات البحرية السوفيتية الاميرال كوزنيتسوف بإعفاء مارينيسكو من منصبه وتخفيض رتبته الى ملازم أول بحري. وسبب ذلك هو - كما وصف بالامر- الاهمال وعدم المبالاة وادمان الكحول.. وتم تعيين مارينيسكو قائدا لكاسحة الغام، ثم قدم الاستقالة واحيل الى المعاش عام 1946.
كان مارينيسكو يعمل في اواخر الاربعينات مساعدا للربان في سفن الاسطول التجاري السوفيتي، ثم نائبا لمدير المعهد الطبي. احيل مارينيسكو عام 1949 الى المحكمة التي اصدرت بحقه حكماً بالسجن 3 سنوات لـ "تبديده الملكية الاشتركية"، وامضى هذه المدة
توفي مارينيسكو في 25 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1963 ودفن في مدينة بطرسبورغ.
وفي عام 1990 منحت الحكومة السوفيتية مارينيسكو لقب بطل الاتحاد السوفيتي. وقد نصبت تماثيل له في كل من كالينينغراد وكرونشتات واوديسا. واطلق اسم مارينيسكو على شارعين في كالينينغراد واوديسا . كما تحمل الكلية البحرية في اوديسا اسم مارينيسكو. ويوجد في مدينة بطرسبورغ متحف سلاح الغواصات الروسي الذي يحمل ايضا اسم ألكسندر مارينيسكو. واخرج عامي 1985 و2005 فيلمان سينمائيان مكرسان لهذا البطل. وقد تطرق الكاتب غونتر غراس الحائز على جائزة نوبل في مجال الادب ( عام 1999) الى عملية اغراق سفينة "فيلهايم غوستلوف" الالمانية في احدى رواياته.






التواصل الاجتماعي