بقلم د. أيمن أيمن أبو الشعر
من مواليد بيوترغراد عام 1915 ، درس في معهد مهني وعمل في المصانع ، وبدأ في نشر أشعاره منذ أواسط الثلاثينات وخاصة في مجال القصيدة ، من مثل ( المنتصر ) ، و( بافل تشورني ) ، و( المجزرة الجليدية ) ، ثم عمل مراسلا حربيا في الشرق الأقصى عام 1939 حيث كانت قد بدأت الاشتباكات مع الالقوات الالمانية .
كانت نتاجاته المبكرة مفعمة بالحس الأممي والإيمان بالمستقبل ، وبطله شاب مندفع نحو المآثر والفداء مع اهتمام بالعالم الداخلي للإنسان.. وينخرط في الحرب الوطنية العظمى كذلك مراسلا حربيا لجريدة "كراسنايا زفيزدا"، ومن أهم اعماله في مرحلة الحرب ( من المفكرة ) و( معك وبدونك ) . تتوحد لديه إبداعيا التوجهات الوجدانية مع النمط الوثائقي مما جعل أسلوبه مميزا في العديد من الأعمال . وقد لعبت قصائده العاطفية دورا هائلا أثناء الحرب في تعميق الحس الوطني المقاوم واستقراء الواقع الاستثنائي الذي يعيشه الجنود على الجبهات ، حتى أن قصيدته "انتظريني سوف أعود" انتشرت كالنار في الهشيم وباتت تنسخ في معظم رسائل الجنود لحبيباتهم وزوجاتهم .. ويقول تيخانوف عنه : إن جيل سيمونوف هو جيل الخنادق والمعارك وحين يتذكر هذا الجيل الحرب سيتذكر سيمونوف حتما وهذا ليس بقليل ..
ساهم سيمونوف في المعارك في صفوف الجيش السادس بما في ذلك في معارك تحرير أوروبا ، من هنا انعكست وقائع الحرب بجلاء في أشعاره مبرزة خواصها الإنسانية الأليمة والحميمة، فهي تجربة عامة وخاصة بآن معا . كما كتب بعض الأعمال النثرية إبان الحرب من مثل ( أيام وليال ) وتابع بعد الحرب في أعمال روائية مثل ( رفاق السلاح ) وثلاثية ( الأحياء والأموات ) ولا ( يولد الناس جنودا ) و ( الصيف الأخير ) .
إثر الحرب وسع الشاعر من رحلاته حيث شده حسه الأممي للتفاعل مع كوبا وفييتنام مركزا على ضرورة تلاحم النضال من أجل السلام كما في كتابه (الأصدقاء والأعداء).. ساهم سيمونوف في العمل الصحفي في جميع مراحل حياته وشغل منصب نائب لرئيس اتحاد الكتاب السوفييت . توفي قسطنطين سيمونوف عام 1979 .
قصائد لقسطنطين سيمونوف
تذكر يا أليوشا
تذكرُ يا أليوشا دربَ البلدة *
كيفَ انهمرَ المطرُ الحاقدُ .. لم يتوَقفْ
كيف أتتنا النسوةُ رغمَ التعبِ المُضني بالقصعاتْ
وكما يحضُنَّ الأطفالْ
أخفينَ جراراً وسطَ الصدرِ عنِ الأمطارْ
كيفَ مسحنَ الدمعَ بعيداً عنّا
كيفَ هتفنَ وراءَ الموكبِ إذْ غادرْنا:
( فليحميكُمْ ربُّ الكَونْ )
واخترنّ مصيرَ الجندياتِ لأنفُسِهنْ
وكما كانَ قديماً في روسيا الكُبرى
.. تذْكرُ يا اليوشا كيفَ الدربُ غَدا
بالدمعِ يُقاس
يُعبُرُ خلفَ التلِّ وتلتفُ الطُرقاتْ
لتغيبَ عن الأجفان
بينَ قُرىً .. وقُرىً .. وقُرىً .. ومَقابِرْ
لكأنَّ هُنا تتكثفُ روسيا
لكأنَّ الأجدادَ الأموات
من تحتِ الأرضِ ارتفعت أذرعُهم
عندَ حدودِ الريفِ كصلبانْ
كي تحمي الأحياءَ من الضرّاء
ويصلون.. من أجلِ الأحفادِ الناسينَ الله
هل تدري يبدو لي أنَّ الوطنَ الرائع
ليسَ مجردَ بيتٍ وسطَ الشارِع
حيثُ يعيشُ المرءُ هنيئا
بلْ هذا الدربُ الممتد
ما بينَ قُرانا
حيثُ تمشَّى الأجدادُ طوالَ العُمر
واليومَ ترى الصلبانَ الواطِئَةَ
توَّحِدُ هذا الدربْ
لا أدري كيفَ شعورُكَ أنت
لكنّي أشعرُ أنَّ الحربَ لأولِ مرّة
قد مَزَجَتني عَبْرَ الوجدِ بهذا الدربِ الريفيّ
معَ دمعِ أراملَ وأغانٍ تشدوها النِسوَةْ
وأنا أمضي من أرضٍ نحوَ الأُخرى
تذكرُ يا أليوشا ذاكَ البيتَ الريفيّ
في منطقةِ (باريسوف)
كيف انطلقَ عويلُ فتاةٍ تبكي
والأمُّ برأسٍ أشيبَ
وثيابٍ رثَّةْ
وعجوزٌ بالثوبِ الأبيضِ مثل الكفَنِ
حينَ احترنا ماذا نَحكي
كيفَ نُهدِئُ روعاً ثار
كيفَ الكهلةُ مدركةٌ بالحَدْسِ دنوَ مُصيبَة
قالت : يا أولادي أنّى سِرتُم فلعودَتِكُم مُنتَظِرون..
مُنتَظِرون.. قالتها حتى الغابات
منتظرونَ قالتها سهولٌ مُحتَرِقَةْ
تعرِفُ يا أليوشا
يبدو لي في الليل
أن ورائي أصواتهمو تَمضي إِثْري
.. حسبَ التقليدِ الروسيّ
لن نُبقي في الأرضِ الروسيةِ غيرَ حَرائق
حينَ نُغادِر
فأمامَ الأعينِ خرَّ رفاق
وبحسبِ العاداتِ الروسية
كم مزَّقَ أبطالٌ عن صدرٍ قمصان **
ما زالتْ تشفِقُ بعدُ علينا تلكَ الطلقاتْ
لكنّي .. مرّاتٍ .. مرّاتْ
أدركتُ بأنَّ الموتَ وإنْ يتأخر.. آت
دوماً كنتُ فخوراً أنّي إذ أهوي .. أهوي
من أجلِ الأرضِ الروسيةِ حيثُ وِلدت
أروعُ ما عِندي
وفخورٌ أنّي سأموتُ عليها
ولأنَّ الأمَّ الروسية
ولدتنا في هذي الأرض
ولأنَّ المرأةَ وهيَ تودِعُنا
ضمَّتني للحضنِ ثلاثاً حسبَ التقليدِ الروسي .
* في الاصل يذكر الشاعر اسم المنطقة سمولينسك
** من العادات الروسية الاصيلة ان يمزق الجندي عن صدره قميصه وينطلق لمواجهة الاعداء غير آبه بالموت
**********
انتظريني سوف أعود
انتَظريني سوفَ أعودْ
لكنْ انتظري بِصمودْ
انتظري إنْ حزنٌ جاءْ
عبْرَ الأمطارِ الصَفراءْ
انتظريني سوفَ أعودْ
وسْطَ الحرِّ أوانَ يهوج
إنْ هبَّت عاصِفةُ ثلوج
اننتظري إنْ حلَّ اليأسْ
بِمَنِ انتظرَ فنسيَ الأمسْ
انتظري في البُعدِ الحائِلْ
حتى إنْ لم تأتِ رسائِلْ
حينَ يمَلُّ جميعُ الناسْ
حلمَ المنتظَرِ الموعودْ
انتظريني سوفَ أعودْ
انتظريني سوفَ أعودْ
لا تَتمني الخيرَ لِمَنْ
يحفظُ غَيباً أنْ قد حانْ
في البُعدِ أوانَ النسيانْ
فليَثِقِ الابنُ.. الأمُّ.. سواءْ
أنّي ما عدتُ مِنَ الأحياءْ
وليتعبْ صحبي في الدارْ
منتظرينَ بِقُربِ النارْ
وعلى ذِكرى روحيَ خَمرا
إنْ جرعوا تذكاراً مُرّا
لا ترتشفي كأسَ خلودْ
انتظريني سوفَ اعودْ
انتظريني سوفَ أعودْ
رغمَ جميعِ دروبِ الموتْ
وليجَهرْ صَحبي .. مَنْ حضَروا
من لِرجوعي لم ينتَظِروا
أنْ – حظّاً – حالَفَني القَدَرُ
لن يفهمَ أحدٌ أبَدا
وسْطَ النارِ برغمِ الموت
صبرُكِ أنقذني فَنجَوت
كيفَ حيَيت
لا بدَّ سنعرِفُ ذاكَ غدا
وحدي أعرفُ ذاكَ وأنتِ
يكفي أنَّكِ أنتِ قَدِرتِ
أن تنتظري دونَ سُدى
وكمثلِكِ أحدٌ ما صَمَدا
*********
مات صديقي
ماتَ صَديقي
كارِثةٌ كُبرى وسْطَ طَريقي
كيفَ سأقضي عُمريَ دونَه
ليكادُ العقلُ يفكُّ جنونَهْ
لستُ أصدِّقْ
لمْ يَخطرْ في باليَ أبدا
أنْ سَيَجئ
يوم ٌأفقدُ فيهِ عيونَهْ
كنتُ بعيداً إذ واروه
لم أقدِرْ في يومِ وداعِهْ
أن أرنوَ لحظةَ عرفانْ
أو أقفَ بقربِ الجُثمانْ
وأجيءُ الآنْ
لا ظلَّ لهُ في أيِّ مكانْ
لن ألقاهْ
..أدخلُ شقتهُ .. قد غابْ
ما زالَ الشارعُ ذاتَ الشارع
الدارُ المدخلُ والبابْ
اللوحةُ والاسمُ عليها
معطفُهُ فوقَ المشجَبْ
وهناكَ عَصاه
خلفَ الردهةِ مكتبُهُ
كلُّ الأشياءِ هنا إلاهْ
كم أبحثُ عنهُ ولكني ما عدتُ أراه
كيفَ معاً كنّا نتسامَرْ
ويقولُ الواحدُ للآخر:
( فلنشدُ هُنا أو فلنجلِسْ
.. خابِرني .. إٌقرأ شيئاً ..حدِثني..)
كيفَ معاً كنّا نتسامَر :
(في الخامسةِ تعالَ إليّ)
والآنَ عليّ
أن اتعودَ لفظاً آخر
كلمةَ ( كان )
أنْ أتعودَ حينَ سأحكي عنهُ عِبارَه:
كانَ يقول ..
.. كانَ يجئُ إليّ
ويعينُ يدَيّ
كانَ يواسيني
كيفَ وعدَني ذاتَ مساء
أن سيعيشُ طويلاً كي لا أحزن
.. كلُّ ملامِحُكَ الحيَّةْ
ظلَّتْ في ذاكِرتي
لكنّي أعجزُ أنْ آتيك
أو أرنو بالصوتِ إليك
فلقَد مُتّ
كيفَ سأنطقُ لفظةَ أنتْ
منذُ الآنَ إذن سيكونُ هو
و(أحبُّكَ) لن أسطيعَ القول بل أحببتُهْ
ما أقسى أنّي لا أقدِرُ ساعاتِ الضيقْ
أنْ أهتفَ عندي الآنَ صديق
بل ( كانَ لديّ )
أوَهذا ما حُتِّمَ ويكون ؟
لستُ أُصدِّق
لا يمكنُ أبداً
ضوءُ النجمِ يظلُّ يَرين
إذ يخبو آلافَ سِنين
أيقارنُ نجمٌ بالإنسان
أكثرَ دِفئا كُنتْ
أكثرَ لمعاناً تَحْناناً كُنتْ
والزمنُ الباقي ليسَ مَديدا
لن أحيا مِئاتِ الأعوام
يكفيني للزمنِ الباقي
ضوؤكَ وسيغمرُ أحداقي
************




التواصل الاجتماعي