بقلم د. أيمن أبو الشعر
من مواليد عام 1911 . بدأ بنشر أشعاره في الثلاثينات، وظل عمره متفاعلا مع خط الثورة والبناء السوفييتي، ورسم أبطاله طموحين متفاعلين مع العصر وبناة للمستقبل . له نشاطات ومساهمات أدبية متنوعة بما في ذلك في المجالات الإعلامية والاجتماعية .
عمل أثناء الحرب الوطنية العظمى في الصحافة الحربية متنقلا بين عدد من الجبهات، وتحول العديد من قصائده إلى أغان وطنية حماسية حيث اعتمد في صياغتها على المشاعر الإنسانية الوجدانية، ومن أشهرها "غابة بريانسكي" التي نقدم ترجمة لها في هذا التناول.
اهتم سوفرونوف بالحس الأممي وكتب الكثير عن تجارب الشعوب في مرحلة النضال الوطني والمد الاشتراكي وبناء الغد الأفضل ككوبا والدول الإفريقية وفلسطين، تتسم أشعاره عموما بالبساطة والغنائية ويتعمق في بنية الصورة البانورامية أحيانا وخاصة في أشعاره عن أحداث الحرب ،عاكسا أجواءها الدقيقة حتى التفاصيل اليومية.
من مؤلفاته: المجد القوقازي، جنود البرية ، نشيد المنتصرين، قصيدة الوداع ، الجليد يخضر ربيعا، إلى جانب عدد من الأعمال المسرحية والكتابات الاجتماعية الإعلامية، من أهمها، "لقاءات عربية"، و"على أراضي آسيا وإفريقيا ".
كان من أبرز الناشطين في حركة التضامن الآسيوية الإفريقية، وله يعود الفضل في تأسيس مجلة اللوتس الدولية، وظل لسنوات عديدة رئيسا لتحرير مجلة أوغونيوك الروسية واسعة الانتشار. ساهم في العديد من المؤتمرات الأدبية في العالم العربي وترجمت أشعاره إلى العديد من اللغات العالمية بما في ذلك اللغة العربية.
توفي اناتولي سوفرونوف عام 1990 .
قصائد لسوفرونوف
العيون
العُيونْ..
العُيونْ..
حدَّقت من كلِّ صَوبْ
عالَمٌ يَجتليكْ
تثبِتُ الأبصارَ فيكْ
والنَّدى فوقَ عشبٍ عُيونْ
قِرْصُ نَحلٍ قد تذَّهبْ
نحلةٌ إذ تَطيرْ
أنتِ نحلةْ
مِنْ غُبارِ الطلعِ تُجمَعْ
عن تويَجاتِ الورودِ
كم ودَّدْتُ لو أنتِ فيها تقرأينْ
كلَّ شيءٍ تُدركين
كيفَ أحيا وبماذا
أينَ أنظرُ ما أرى
عِندما يرمي الغروبْ
نارَهُ الحمراءَ حولي
أيُّ طيرٍ بات يشدو غنوَةً لي
أيُّ تغريدٍ تندّى في فؤادي
أنَّه لو كانَ في الكونِِ جِنانْ
فهيَ في هذا المكانْ
فوقَهُ هذي السماءْ
والكروم.. مثلَ طابورٍ أمامي واقفة
في الهدوءِ مُكثَّفة
.. دعْ جمالاً لن يفيهِ الوصفُ سطرا
واترُكِ الإبداعَ بِكرا
مُتلِفٌ نقلُ الجَمال
لوحةٌ زيتيةٌ لا تحتوي نبضَ الحياة
في خطوطِ النسخِ يقسو طبعُ حِرفَةْ
أينَ عن ذاتِكَ ترجِعْ
عن شغوفِ الكشفِ رؤيةُ كلِّ شيء
عندما تعمى ستُعمي الآخرين
أو تُغني مادحاً تؤذي ضميرَكْ
العُيونْ..
العُيونْ..
حدَّقتْ من كلِّ صَوبْ
مرَّةً في إثْرِ مرَّةْ
لِرؤانا نستعيدْ
وتمرُّ معَ الحياةِ
صفحةٌ تمضي بلا رُسِلِ المَديح
وتطيرُ النحلةُ الآنَ تطيرْ
تَجِدُ الشهدَ.. الخوابي.. والخليَّة
ما استطاعتْ أن تعيش
دونَ ذاكَ فقد تضيع
وأنا الآنَ أنا
كيفَ لي .. هل أستَطيع ؟
***********
الحصان العجوز
لا تُغضبوا هذا الحصانَ العجوز *
قد طافَ ما فيهِ الكِفاية
عَبْرَ الزَمَنْ
لكنَّهُ لا يرفضُ
في أنْ ترِنَّ بِطَوقِهِ الأجراسُ
كي يستمرَّ فتوةً – وقتاً إضافيّا – وقوّة
عانى كثيراً من قساوةِ راكِبيه
كم مِن سروجٍ في الطريقِ الوَعرِ بدَّلْ
أعطى الكثيرَ من القِوى وسْطَ الدُروب
كي يستمرَّ إلى الأمام
لكنَّهم يسعونَ كيما يُقنعوه
تبديلَ مُنسَرَحِ انطلاقِه .. رَهْواً مُميَّع
وهو الذي قد شبَّ في حُضنِ الهُدوء
حيثُ الجداولُ تختلجْ
حيثُ السنابكُ وقعُها رعدُ
حيثُ البراري تضطجع
والعشبُ يركض
عفرةٌ في القيظِ لوَّنها المشيبُ
حيثُ الهواءُ توحَّدت نسماتُه وسْط َالسهولِ
مثلَ الزجاجِ معَ التِلالْ
لا تُغضِبوا هذا الحصانَ العجوز
بطريقةِ النهجِ الجديد
لا تلعنوهُ تَذمُراً
إن لم يَعُدْ يقوى على العدوِ السريعِ
رَهْواً بطاقاتٍ جديدة
لا أربعينَ لديهِ .. أو ستينَ قوَّة
هيَ قوَّةٌ لا غيرَ لكنْ لم تؤطِرُها الحدودُ
حيثُ اخضرارُ العشبِ يَصفُرُ للِّقاء
حيثُ البراري زادَها ألقُ البياض
بالريحِ من نثرِ الثلوجِ
ما كانَ مخصيّا ولا كانَ دعيّا
متحرراً من نيرِهِ يمضي قويّا
نحوَ المَراعي
وهناكَ حيثُ العشبُ ملتَفٌّ كثيفُ
كم أنجَبَتْ حيواتُه مُهُراً فتيَّة
ثلَّةٌ منها تهادت في الحقولِ
بعضُها للسَمْت يدنو ..
والبقيَّة
حمّوا لها صلبَ الحديد
حدواتِهم أضحت أوامِرْ
ليُسَمِروها في الحَوافِرْ
* في الأصل (لا تتجاوزوا) والكلمتان متقاربتان لفظا – حيث لا يلفظ حرف – ز- لكن الشاعر في إحدى السهرات قرأها – لا تُغضِبوا- فنبهته إلى ذلك.. إلا أنه أكد على لفظها – لا تغضبوا - ورجاني أن أترجمها كذلك منوها بأن تجاوز الحصان هو إغضاب له وهذا هو الجوهر.
***********
الوردة الخالدة
على رقعةٍ في المسا راكِدَةْ
هدوءٌ يَروم
وشمسٌ تشعُّ وراءَ الغُيوم
وتلٌّ على ( الدون ) عالٍ رؤوم *
تنامَتْ بِهِ وردةٌ جهمةٌ خالِدَة
كأنَّ الوريقاتِ فيها نُحاسْ
وساقٌ لها عبَّ لونَ الرَّصاصْ
على التلِّ تزهو انتِصابا
تطلُّ على النهرِ مثلَ الرِماح
شموخا فلا تنحني للرياح
وبالقربِ من وردةِ الكبرياء
فتىً قد تمدَّد
وأسنانُه شعَّ فيها الضياء
بتلٍّ مُمَّجد
دمٌّ في مسيلٍ نحيلٍ تجمَّد
من الجبهةِ انساحَ نحوَ الشفاهِ بثغرٍ تبرَّد
لعلَّ الفتى إذ رأى أن حتفََه
وشيكٌ.. إلى العشبِ قد مدَّ كفَّه
لكي يستعينَ بقبضةِ عشبٍ مُغبَّر
ولكنَّ كلَّ النبات
كذَرِّ الرمادِ تفجَّرْ
ولم يبقَ حولَ السكوتْ
سوى وردةٍ لا تموتْ
على رقعةِ الأرضِ قُربَ الفتى
سلاحٌ لهُ قد تحطَّم
هنا لم يُغادِر
ولم يرحلِ الفاشستُ فوجاً يناور
وكي يستطيعَ الفتى أن يعيشَ برغمِ المَمات
وذكراهُ تبقى تشعُّ حياة
تنامتْ هنا وردةٌ لا تموتْ
لتَحمي الرُفاتْ
لكي تشهدَ النصرَ جهما
كأنَّ الوريقاتِ فيها نُحاس
وساقُ لها عبَّ لونَ الرصاص
على التلِّ تزهو انتِصابا
تطلُّ على النهرِ مثلَ الرِماح
شموخاً فلا تنحني للرِياح
* الدون نهر كبير في روسيا
********
ضجت غابة بريانسكي
ضجَّت ضوضاءً تعبَق
غابةُ بريانسكي
وضبابٌ يتهادى أزرق
في غابةِ بريانسكي
وصنوبرُ يُصغي كي يسمعْ
ثلةَ ثوَّارٍ تهرَعْ
ودعاءَ قلوبٍ تتودَّع
للمعركةِ .. وتخطو أسرع
بممراتٍ في الغابةِ مجهولة
عبَروا تُخفيهم أشجارُ بتولا
كلٌّ في دغلٍ مُندَّسٌ
للكتفِ المدفعٌ منشدٌ
ورصاصٌ في الجعبةِ أملَس
في الغابةِ حتفُ الأعداءِ
بقنابلَ سوفييتية
تتطايرُ كالأصداءِ
وهتافُ القائدِ للفتيانِ يهزُّ دويّا
اسحقْ فوجَ المُحتلين
ولتجعلْ منهم أشلاءا
ضجَّتْ ضوضاءً تعبَق
غابةُ بريانسكي
وضبابٌ يتهادى أزرَقْ
في غابةِ بريانسكي
وصنوبرُ يُصغي كي يسمعْ
ثلةَ ثوّارٍ ترجعْ
ودعاءُ قلوبٍ تتجمَّعْ
من معركةِ النصرِ الأروَع




التواصل الاجتماعي