عملية ياسي - كيشيناو تعرف ب "كاني كيشيناو" هي العملية الحربية الاستراتيجية الهجومية التي نفذتها القوات المسلحة السوفيتية ضد المانيا النازية بغية دحر المجموعة الضخمة للقوات الالمانية التي كانت تحمى اتجاه البلقان، وتحرير مولدافيا واخراج رومانيا من الحرب. وتوصف العملية بانها انجح والمع العمليات الحربية السوفيتية التي ادرجت بقائمة ما يسمى بضربات ستالين العشر. واطلق عليها "كاني كيشيناو" نسبه الى معركة كاني التي اجراها هانيبال ضد روما عام 216 ق.م.
تشكلت في اتجاه البلقان بحلول اغسطس/آب عام 1944 الاوضاع الملائمة لتوجيه ضربات حازمة الى القوات الالمانية التي تم اضعافها نتيجة نقل 12 فرقة المانية الى الجبهين البيلوروسية والاكرانية الغربية المنهارتين. وبالرغم من كل ذلك فان القيادة الالمانية الرومانية المشتركة قد أنشأت هنا الدفاعات المحصنة العديدة الانساق المتكونة من 3 – 4 خطوط دفاعية مرتبطة بالموانع المائية والاراضي الجبلية الوعرة.كما انشئت اطواق دفاعية تحيط بمدن مولدافيا.
عقد في 4 اغسطس/آب لقاء بين هتلر وحليفه الروماني انتونسكو حيث تلقى الاخير التأكيدات بان المانيا ستدافع عن رومانيا كما تدافع عن نفسها مهما كانت الظروف . واحتوت القوات السوفيتية كلا من الجبهة الاكرانية الثانية تحت قيادة الجنرال مالينوفسكي التي ضمت جيوش المشاة الستة وجيشي الدبابات والفيلق المدرع ومجموعة الخيالة الميكانيكية والجبهة الاوكرانية الثالثة تحت قيادة الجنرال تولبوخين التي ضمت جيوش المشاة الاربعة والفيلقين الميكانيكين واسطول البحر الاسود بقيادة الاميرال اوكتيابرسكي الذي كان يضم سفينة قيادة و4 طرادات و6 مدمرات و30 غواصة و440 سفينةمساعدة اخرى. اما قوات العدو فتمثلت بمجموعة الجيوش "اوكرانيا الجنوبية" تحت قيادة الجنرال فريسنر التي ضمت جيشين المانيين وجيشا رومانيا وفيلقا المانيا. وبلغ عدد الفرق فيها 47 فرقة بما فيها 25 فرقة المانية و22 فرقة رومانية.
بدأ الهجوم السوفيتي يوم 20 اغسطس/آب عام 1940 . انطلقت فكرة الهجوم الاساسية للقيادة السوفيتية من ان القوات الرومانية المرابطة في جانبي الجبهة الجنوبي والشمالي تقل من حيث القدرة القتالية عن القوات الالمانية المرابطة في وسط الجبهة . لذلك تم تركيز الجهود الرئيسية في الجانبين بحيث وجهت الجبهة الاوكرانية الثانية ضربة رئيسية شمالي مدينة ياسي. اما الجبهة الاوكرانية الثالثة فاندفعت في اتجاه جنوب مدينة بندر. فيما مثلت القوات السوفيتية المرابطة في وسط الجبهة وكأنها بالذات توجه ضربة رئيسية الى القوات الالمانية. واستخدت لهذا الغرض شتى وسائل الغش والتضليل والتمويه. ولم تتحمل القوات الرومانية المدافعة في جانبي الجبهة الضغط الضخم الذي قامت به القوات السوفيتية واضطرت الى الفرار. وبحلول اليوم الثالث للهجوم تمكنت قوات الجبهة الاوكرانية الثالثة بعزل الجيش الالماني السادس عن الجيش الروماني الثالث واحكام الحصار على الجيش السادس الذي ترك قائده قواته وهرب. وقام الجنرال فريسنر بمعالجة الوضع الناجم عن الهجوم الناجح للقوات السوفيتية واصدر امرا بالانسحاب على الرغم من عدم تلقي تعليمات من هتلر. لكنه تأخر باتخاذ القرار ، اذ ان المجموعات الضاربة للجبهتين السوفيتيتين كانت قد قطعت طرق الانسحاب الى الغرب ، ووجدت القوات الالمانية نفسها في منطقة كيشيناو محاصرة من قبل القوات السوفيتية.وبحلول يوم 24 اغسطس /آب اختتمت المرحلة الاولى للعملية باحكام الحصار على القوات الالمانية الرومانية بتعداد 18 فرقة في منطقتي ياسي وكيشيناو . وتقدمت القوات السوفيتية الى عمق دفاعات العدو على مسافة 130 - 140 كيلومتراً . وتم تحرير مدينة كيشيناو( كيشينيوف) يوم 24 اغسطس/آب. واستسلم الجيش الروماني الثالث المدفوع الى البحر الاسود. اما الوحدات السوفيتية المتقدمة فوصلت الى معابر نهر بروت حيث استطاعت محاصرة قوة المانية اخرى وفتحت طريقا نحو بوخارست عاصمة رومانيا.
وقد صعدت الهزيمة الخاطفة للقوات الالمانية الرومانية في مولدافيا الوضع السياسي في رومانيا. وتخلى الكثير من الاحزاب الرومانية المعارضة عن نظام انتونيسكو وبدأ في تحضير الانتفاضة ضد الالمان التي اندلعت في بوخارست يوم 23 اغسطس/آب. واعلن ملك رومانيا ميخاي تأييده للانتفاضة وامر باعتقال الدكتاتور انتونيسكو والجنرالات الموالين للنازيين. وتم تشكيل حكومة جديدة ضمت كافة الاحزاب المعارضة بما فيها الحزب الشيوعي. واعلنت الحكومة خروج رومانيا من الحرب وطالبت من ألمانيا بسحب قواتها من رومانيا باسرع وقت. فرفضت المانيا وقصقت الطائرات الالمانية بوخارست يوم 24 اغسطس/آب. فطلبت الحكومة الرومانية
المساعدة من الحكومة السوفيتية واعلنت الحرب على ألمانيا. ووجهت القيادة السوفيتية 50 فرقة لمساعدة الانتفاضة الرومانية. وتم ابقاء 34 فرقة سوفيتية في مولدافيا بغية الانتهاء من تدمير القوات الالمانية المحاصرة في منطقة نهر بروت التي استسلمت بحلول يوم 27 اغسطس/آب. ودخلت القوات السوفيتية مدينة بوخارست يوم 31 اغسطس/آب عام 1944.اثرت عملية ياسي - كيشيناو تأثيرا كبيرا على سير الحرب في منطقة البلقان التي شهدت اندحار القوى الرئيسية لمجموعة الجيوش "اوكرانية الجنوبية". واسفرت العملية عن تحرير اراضي مولدافيا ومقاطعة اسماعيل الاوكرانية من القوات الالمانية. وبالرغم من ان الجزء الاكبر من الاراضي الرومانية ظل تحت سيطرة القوات الالمانية والرومانية الموالية للنازيين فان تلك القوات كان ليس بوسعها اقامة دفاعات محصنة طويلة الامد في الاراضي الرومانية ومقاومة القوات السوفيتية لمدة طويلة. واستمرت المعارك في رومانيا حتى 12 سبتمبر/ايلول عام 1944 حين تم توقيع اتفاقية الهدنة مع الحكومة الرومانية.
اتصفت عملية ياسي - كيشيناو الهجومية بتألق الفن الحربي السوفيتي الذي استعرض تفوقه على الفن العسكري الالماني. كما اتسمت العملية بمهارة في اختيار اتجاهات الضربات الرئيسية والوتائر العالية لتقدم القوات ومحاصرة مجموعات ضخمة من قوات العدو والتعاون الماهر بين اسلحة وصنوف القوات بما فيها القوات البحرية والجوية والبرية. وخسرت القوات السوفيتية نتيجة الهجوم 12.5 الف جندي. بينما فقدت القوات الالمانية والرومانية 18 فرقة. وتم أسر 208600 جندي وضابط.






التواصل الاجتماعي