بقلم د. أيمن أبو الشعر
كانت ولادة تفاردوفسكي عام 1910 بمنطقة سمولвنسك في بيئة عمالية حيث كان والده حدادا . تعلم الكسندر تفاردوفسكي في معهد التربية في المنطقة نفسها ثم أنهى معهد الفلسفة والآداب في موسكو نهاية الثلاثينات .عايش تفاردوفسكي أحداث ثورة اكتوبر وهو طفل مما ترك أكبر الأثر على مجمل نتاجاته الشعرية . ظلت البيئة الريفية والحياة الفلاحية الموضوعة الأثيرة لديه وخاصة في أشعاره المبكرة . ولمع اسمه في الثلاثينات وخاصة من خلال عدد من البوئيمات المتميزة ، لعل من أهمها بوئيما "موطن النمال " التي باتت من المؤشرات الرئيسية في فن البوئيما عموما في الثلاثينات، وأبرزت في الوقت ذاته تميزه وقدرته التخيلية عبر مزج الفانتازيا بالحياة الواقعية، حيث تغلُّبُ بطلها على الأوهام بتفاعله مع حركة الواقع، إلى جانب استخدامه اللغة الحية البسيطة وتصويره تصويراً محكما للحياة الفلاحية في مراحلها الانتقالية التي أثرت على الطباع المتأصلة في الفلاحين وطورتها ،مما يعني أن الشاعر استطاع مواكبة التغييرات التاريخية وعكس ديناميتها.
شارك تفاردوفسكي في الحرب الوطنية العظمى( 1941 - 1945 ) كمراسل حربي، وقدم عطاءات شعرية متميزة، واستطاع رسم نموذجاً خاصاً بات حميما لدى الجميع من خلال ابتكاره شخصية الجندي (فاسيلي توركين) كبطل من عامة الشعب طيب ومخلص ومتفان يتصف بروح إنسانية ساطعة، وطابع مرح جعله نموذجا حيا ، وكأن الشاعر يرسم شخصية واقعية حقيقية تضج بالحياة اليومية ، حتى أن نموذج هذا البطل أثر بوضوح على جيل من الشعراء والكتاب الذين سعوا أيضا إلى ابتكار شخصيات مماثلة . وقد جمعت معظم قصائد تفاردوفسكي التي كتبها عن الحرب في مجموعة خاصة تحت عنوان ( سفر الجبهة ).
بعد أن وضعت الحرب أوزارها توجه تفاردوفسكي نحو الأرضية التاريخية للشعب مستفيدا من دروسها كما في "بيت على الطريق" -1946 مبرزا الملامح المأساوية وبشكل خاص إرسال الأسر بكاملها أحيانا للعمل في السخرة لدى الألمان ، متعمقا في الجانب النفسي والمعاناة والمأساة والصبر المرير الذي عاناه هؤلاء الناس .
في الخمسينات يكتب تفاردوفسكي "مدى وراء المدى " عاكسا طموح وآفاق الإنسان الجديد والتطور عبر الزمن المعاش، ممجدا الإمكانات اللامحدودة لإنسان
العصر مستفيدا من مشاهداته ورحلاته . كما عكس تفاردوفسكي في أشعاره الوجدانية سمات التحولات الكبرى كما في القصائد الوجدانية لتلك السنين . إلى جانب ذلك برز اسمه كناقد متمسك بتقاليد الأدب الروسي الأصيل في مقالات ودراسات عديدة .عمل تفاردوفسكي محررا رئيسيا في مجلة "العالم الجديد" الشهيرة وساهم في تنشيط الحركة الشعرية الشابة آنذاك .وتوفي عام 1971 .قصائد لتفاردوفسكي
بكر دربك
بكرٌ دربُك
وصعودٌ هائلْ
إن كنتَ كبيراً أو كنتَ صغيرا
دربُكَ أنْ تمضي نحوَ الأفقِ
خلفَ اليومِ المسرعِ كالسيلِ الناري
تابِعْ خلفَ الأثرِ.. وتابِعْ
أنْ تَتراخى
أنْ تَتراخى .. تلكَ فَجيعَة
ولستَ وحيداً فيها
خلفَ السيلِ الناري
بَلْ لاصِقهُ
فإذا أنتَ جزعتْ
وتراخيتَ هلكتْ
ما دمتَ الشاعرَ .. هذا عمَلُكْ
أن تمنحَ .. لا تُبقي شيئا
دوماً تمنح
أمريعٌ هذا ؟
ماذا ؟
طبعاً لا
بلْ ومريعٌ أحياناً لكنْ حلو
*************
وطني هائل
متسعٌ وطني .. هائِلْ
حتى تبدو أيةُ حرب
للوطنِ كأنْ هيَ ليستْ حربْ
لكنْ .. في كلِّ أقاصيهِ
في أيةِ روحٍ تسمو فيهِ
كم مِنْ أشياءٍ علِقَتْ في القلبْ
بَدأتْ في هذي ال ( ليست حَربْ )
حتى إنْ قَطَعَ نموُ العشبْ
آثارَ الشتويةِ تلكْ
أو غَسلَ جذورَ الأشجارْ
موجُ الخلجانِ الفوَّارْ
حتى إنْ عادتْ بهدوءٍ
نحوَ الأدغالِ الأطيارْ
وأوى الوحشُ إلى الغاباتْ
أو حلَّ اليومُ المأمونُ هناكْ
فوقَ قديمِ حدودِكْ
وهُناكْ .. هُناكْ
وسطَ معاركَ غيرِ شهيرة
في المستنقعِ والأهوارِ الصماءْ
لن تنسى حتى الأشجارْ
سَقطَ كثيرٌ في الأفياءْ
موتَ شجاعٍ .. موتَ نقاءْ
**********
أعلم أني
أعلَمُ أنِّي ما كنتُ المذنبَ
في أنَّ رفاقيَ ما عادوا
من تلكَ الحربْ
في أنَّ الأكبرَ والأصغر
ظلوا حتى الآنَ هناكْ
ما مِنْ أحدٍ يحكي
أنِّي كنتُ قدرتُ
ولكنْ لم أجرؤْ أنْ أُنقِذَهم
ما مِنْ أحدٍ في هذا الأمرِ يُراهنْ
لكنْ .. لكنْ .. لكنْ ..
*********
كلمة حرب
لا يوجدُ أبداً أكثرُ حزناً مِنْ كلمةِ حَربْ
لا يوجدُ أبداً أقدسُ من كلمةِ حربْ
في المجدِ أو في الوجدِ في تلكَ السنينْ
ما مِنْ لفظٍ آخرَ فوقَ الشفةِ تصاعَدْ
لم يتواجَدْ ..
بل لا يمكنُ أنْ يتواجدْ
**********
ذكرى الأمهات
نوَدِعَهُنّ..
وما حانتْ مواعيدُ الوداعِ لَهُنّْ
وما زِلنا بعمرِ شبابِنا اليافِعْ
على أعتابِ بابِ الدارْ
نوَدِعَهُنّ مُذْ كانتْ أياديهُنّْ
تُرتِبُ كلَّ ما كُنّا نُبعثِرُهُ
محارِمَنا.. جوارِبَنا..
ونخشى مِنْ تماطُلِنا
ونسعى دونَ أنْ ندري لموعدِ فرقةٍ معهُنّْ
وفيما بعدُ تأيتهُنَّ فرقَتُنا
بيومٍ فيهِ نُبلِغُهنّْ
بريداً عن إرادتِنا ورغبَتِنا
بطاقاتٌ من الفتياتِ تأتيهُنّْ
من اللاتي زماناً هنَّ لم يعرِفْنّْ
وعبرَ حنانِنا الجيّاشِ
ندفَعَهُنَّ كي يَحببنَ تحناناً عروسَتَنا
عروساتٌ .. وبعدُ يجيءُ أحفادٌ
ودونَ توقعٍ فجأة
عباراتٌ ببرقيّةْ
لآخرِ فُرقةٍ تهمي
عنِ الجدَّة.. بها اسمي
تُسمي هذهِ الجدَّةْ
وندرِكُ .. اسمُها .. أُمي
*********
عن الجوهر
غيابُ المجدِ عنّي ليسَ يَعنيني
ولا ولعٌ رخيصٌ بالمراكزِ أو بِسُلطةْ
وهمّي وسطَ هذا الكونِ أنْ أجني نصيبي مِنه
مِنْ كُنهٍ بغاباتِ الصباحِ الحلو
ومِنْ دربٍ يقودُ الخطوَ نحوَ طفولةٍ تبقى
إلى الأدغال
هناكَ القنَّبُ الممشوقُ إذ يَعبَقْ
ومن أقراطِ زهرِ بتولةٍ نوّار
إذا ما هزَّها أيّار
ونفَّضَها بأمطارِه
من البحرِ الذي قد رشَّ رغوتَهُ
ليغسلَ صخرَهُ الدافئْ
على الشاطئْ
من الأغنيَّةِ الْضَجَتْ بِها أنشودةُ الشُبّان
بعمقِ زمانِها إذ كانَ مختلفاً عنِ الأزمان
ومِنْ وجعِ المصائبِ عندَ كلِّ الناسْ
مِنْ وهجِ انتصارِهِمو
نَصيبي قِسمتي أبغي
لكي أُجلي بأحداقي جميعَ تنوعِ الأشياءْ
تُعلِّمني جميعُ مظاهرِ الأشياءْ
وليسَ تصفحاً عابِر
ولن أُخفي وها إنّي سأعترفُ
بأنّي أبتغي الأشياءَ غاليةً لحدِّ الدمع
لكي تغدو مُحصِلتي بوعيٍ ثابتٍ أنّي
نقياً قد حملتُ العبءْ







التواصل الاجتماعي