بقلم د. أيمن أيمن أبو الشعر
ولد الكسي سوركوف عام 1899 في منطقة ريبنسك، وهي مشهورة بطبيعتها القاسية الجهمة سواء من حيث المناخ أو واقعها الجغرافي المليء بالغابات والمستنقعات، مما دفع بالعديد من سكان هذه المنطقة لطلب الرزق في مدينة بطرسبورغ أو موسكو لمزاولة الأعمال الحرفية .
نشأ سوركوف في أجواء فلاحية تقليدية، وعمل ككثيرين غيره في مجال الحرف اليدوية وهو في مطلع شبابه لسد الرمق متابعا في غضون ذلك دراسته . وانغمس سوركوف في أجواء النضال وخاض المعارك في صفوف الجيش الأحمر كنصير للثورة . ظل سوركوف وفيا للريف يكرر زياراته إليه ، مما عمق من المشهد القروي في أشعاره، كما عمل في الكومسومول (اتحاد الشبيبة الشيوعية) والإعلام الحزبي.
بدأ سوركوف بنشر أشعاره في مرحلة الشباب بعيد الثورة وكانت كرديف لنداءات الثورة والدفاع عنها وخاصة مرحلة الحرب الأهلية، وعمل في الثلاثينات مساعدا لمكسيم غوركي، وخاض من جديد غمار المعارك في الحرب العالمية الثانية وعمل مراسلا على جبهات القتال، ويكتب في هذه المرحلة عددا من أروع قصائده التي تعبر عن روح الصمود والفداء وتعكس صورا متنوعة لواقع الحرب الوطنية العظمى . يعتبر سوركوف من الشعراء الشعبيين الذين يعتمدون على البساطة والوضوح حتى في بنية التصوير الشعري ، وبطله ثوري صامد يذكر بأبطال الشعر البروليتاري، إضافة إلى المسحة الغنائية المسيطرة على مجمل أشعاره والتي أخذت شهرتها في الثلاثينات والأربعينات، وخاصة تلك التي تحولت إلى أغان انتشرت حينها على كل لسان كما في قصيدته "في المكمن الأرضي". كما برع سوركوف في استخدام الحوارات والمونولوج في عدد من قصائده ، وخاصة في فترة الحرب الوطنية العظمى كقصيدته "حديث ليلي"، بل إن جذوره الفلاحية كما يبدو دفعته لتكريس سمة الغناء حتى في تسمية العديد من أعماله الشعرية من مثل ( "مطلع الأغنية" وهو أول مجموعة شعرية صدرت له عام 1930 ،و"مشارف الأغنية" ،و"عن طريق الأغنية" ،و"أغنية الشجعان" وغيرها ). كان سوركوف في مرحلة ما بعد الحرب ناشطا اجتماعيا ومسؤولا في مجال الأدب حيث شغل منصب السكرتير الأول لاتحاد الكتاب السوفييت ونائبا في مجلس السوفييت الأعلى .وقد توفي سوركوف عام 1983 .
قصائد لسوركوف
من أجل كل الشعوب
من أجلِ كلِّ الشعوب
لإيقاظِ كلِّ قِواها
تحتَّمَ أن يستفيق
بتشرينَ اعصارُ ثورة
ولينينُ حدَّقَ فينا كوالد
بكفّيهِ على منكبينَ ربت
وشعَّ ضياءٌ قوي
أنارَ بعمقِ الزمن
كأنّا بتحديقِهِ
عرفنا مصيرَ الوطن
بدا أنَّ سِتراً أُزيح
عن العينِ عبْرَ الضباب
وعصرٌ جديدٌ تبدّى
طريقٌ بعتْمٍ رطيب
يمرُّ بغابة
ينادي المحيط
لأبعاد أخرى
كذا تنبتُ الأجنِحة
لِمن كانَ دوما بغيرِ جَناح
فهذا النداءُ يجوبُ الأعالي
فهِمنا المعاني العريقة
هوَ الحلمُ حينَ تخمَّر عبْرَ ظلامِ القرون
غدا قصةً ترجمتها الحقيقة
***********
حديث ليلي
يفهمُ الإنسانُ أن الموتَ حق
وسواءٌ كلنا إن حلَّ وقتُه
ذاتَ يومٍ في حياتي
كانَ لي أن ألتقيه
مدركاً معنى البرودةِ في جداره
كنتُ أخطو في حياتي ببساطة
غيْرَ أنَّ الموتَ كان
راصداً حتى خُطاي
ليلةً في معركَة
عنْدَ جسرٍ داكنٍ
فاجأتني فرقةُ الأعداء
وقادتْني أسيرا
وبأعقابِ البنادِق
داعَبوني .. مزَّقوني
ثم شدُّوني إلى سورِ الحديقة
وإلى صمِّ الجِدار
أوقفوني حيثما ينهونَ عُمري
حلَّ آبٌ وقتَها
والسماء
لألأت فيها النُجوم
والثمار
خشخشت ما بينَ أوراقٍ كثيفة
وعلى حدِّ الحياة
تقتُ لو أرشفُ قطرةَ ماء
وتذكرتُ الجداول
ماؤُها عذبٌ وبارد
شاطِئا أحجارُه البيضاءُ تلمَع
غيرَ أنّي ما سألت
فالشيوعيونَ وإن يخطُّ الموتُ سطرَه
يرفضونَ الماءَ من كفِّ العدو
ودفعتُ القُبَّعة
- دونَ أنْ يبتلَّ ثغري لو بقطرة-
نحْوَ عُمقِ الرأسِ لن آسى على شيءٍ صغير
واقفاً مستقبِلاً موتي هناك
عندَما في كلِّ عرقٍ من عروقي
شوقُ أن تبقى الحياة
طائرٌ ليلي
عن فروعِِ الشوحِ طار
والحصان
خلفَ سورِ الحقلِ ملتاعاً صَهل
حينما انشكَّت وميضاتُ اختراق
بالتماعِ النارِ في جسمي الكبير
وهو لا يرضى فِراقا للحياة
هرَست صدري بعنفٍ واستشاطَ الحاجبان
صدمةٌ أخرى استقرت في الكتف
وسرى في حلقِي دَمي
مالحاً مُرّا غزيرا
وشعرتُ
أنَّني بتُّ أطير
هائِما بينَ الغيومِ الطيِّبة
هائِما بينَ النجومِ الصاخِبة
جَسدي حراً يطير
بالأصابِعِ بتُّ أخترقُ الأثير
دونَ أنْ أهوي وتُعليني قِوى ما
لستُ أدريها مُخيفة
عبْرَ دخّانِ النُعاس الأزرقِ
وإلى الأعلى هناك
الهدوءُ البكرُ يطفو
ويحيطُ الكونَ خطوه
حيثُ لا يهتزُ شَعرٌ
حيثُ ريحٌ حاذرت حتى التَنفُّس
طائراً ما زلتُ لكني سمعتُ
في المدى صوتاً حنونا:
قُمْ بُنَيّ .. حانَ وقتُك للمسير
حانَ وقتي .. يا إلهي
حزمةٌ في الكفِّ من عشبٍ نديّ
حجرٌ قُدَّ صقيعا
نسماتُ الريحِ تحيا
إنني مازلت أحيا
عندَ ثغرِ الصبحِ لاقاني الحرس
وإلى الخيمةِ في الوادي مَضينا
مدركاً للمرةِ الأولى
بعد ليلٍ فيهِ قد كنتُ القتيل
كم هو العمرُ جميل
*************
في المكمن الأرضي
في الموقدِ النيرانُ تخفقُ ساعِرَة
وعلى الأروماتِ النحيلةْ
حَبَبٌ من القطرانِ يبدو كالدموعِ النافِرَة
واللحنُ يروي لي غليلَهْ
في المكمنِ الأرضيِ
يصدحُ عن عيونِكِ وابتسامَتِكِ الجميلةْ
كم وَشوَشتني عنكِ أغصانُ الخميلةْ
وسْطَ السهوبِ الناصِعَةْ
بالثلجِ في أطرافِ موسكو الرائِعَةْ
وأتوقُ حيناً أن تعي
أو صوتيَ المشتاقَ حيّاً تسمعي
الآنَ أنتِ بعيدةٌ عنّي قصيَّةْ
ما بيننا ثلجٌ وثلجٌ كم يحول
كي ألتقيكِ الدربُ نائيةٌ عصيَّةْ
وببضعِ خطواتٍ إلى الموتِ الوصول
اصدَحْ إلى أنْ تُغضِبَ الاعصارَ
يالحنُ ونادي
تلك السعاداتِ الضليلةَ في الرمادِ
في برْدِ هذا المكمنِ الأرضيِّ إنّي أتدفا
بالحبِّ .. حبُكِ ليس يطفا
***********
ياصديقي
ياصَديقي
هاهيَ الآنَ التماعاتُ الصواريخِ المُريعَةْ
بَرَقَتْ بصدرِ النافِذَةْ
في هدوءٍ موحِشٍ ليلي *
لحظةً نحوي انحنِ
واصغِ قلبيّاً إليّ
سأسرُّ الآنَ كِلمةْ
إنْ همى الرشاشُ أمطاراً وقطَّعْ
خيطَ عُمري فتقطَّعْ
اسحبِ القلبَ تَجِدْ إنْ غابَ صوتي
غنوةً فيهِ ستحيا بعدَ موتي
**********
* في الأصل التايغوني والتايغا منطقة واسعة مليئة بالغابات في الشمال الروسي.




التواصل الاجتماعي