بقلم د. أيمن أيمن أبو الشعر
ولد نيقولاي تيخونوف عام 1886 في أسرة عمالية في بطرسبورغ، ومر بظروف عيش صعبة منذ طفولته، وتوجه نحو التاريخ في البداية كرد غير مباشر على قسوة الواقع. شارك تيخونوف في الحرب العالمية الأولى وانعكست أجواؤها ومشاعره وانطباعاته تجاهها في ديوانه الاول "الحياة تحت النجوم"، لكن هذا الديوان لم يصدر إلا في الثلاثينات . انغمس تيخانوف في أجواء الثورة وتطوع في الجيش الأحمر، وعايش مرحلة الحرب الأهلية كثوري مما لعب دورا هاما في توجهاته الشعرية وخاصة في "اورطة" وهي كلمة تترية الأصل تعني المقاتلين .
كانت حياته متنوعة غنية من خلال تفاعله مع حوادث عصره، وكانت قصائده الأولى ذات طبيعة رومنسية ممزوجة بالحس الثوري وفكرة الفادي في سبيل الآخرين، وهي من السمات الرئيسية لتلك المرحلة . ومع ذلك كان لتيخانوف نفسه الشعري الخاص نسبيا من خلال اللغة الشعرية الاستعارات التصويرية التي يلاحظ فيها حتى ملامح التأثر بالشكلية السائدة حتى في العشرينات، حيث كان يتأمل بعمق أجواء المدارس والتيارات الإبداعية وصراعاته محاولا أن يجد طريقا خاصا، الأمر الذي ظهر في بعض أعماله الشعرية والنثرية من مثل " الرحَّل" و"أشعار عن كاخيتي" وخاصة موضوع القوقاز. ومن أهم هذه الأعمال قصيدة " سيرغو في الجبال " . كما يلاحظ بوضوح توجهه نحو مناهضة المدارس الشكلية بما في ذلك تنظيريا من خلال مقالاته العديدة بهذا الصدد. يعتبره النقاد فنانا كبيرا في مجال البالادا، ومعظم أبطاله في البالادا هم من أبطال الحرب الأهلية والتحولات الثورية بما في ذلك حركة تنامي الأبطال بعلاقتهم مع الزمن المتغير ناهيك عن أن تيخانوف كثيرا ما يتحدث بلسان أبطاله أو كمشاهد محاور، وتعتبر بالادا " عن المسامير" من أهم أعماله في هذا المجال حيث يركز عبرها وفي كثير غيرها على الجرأة والمآثر والفداء. وقد بدا تيخانوف متحمسا للتوجهات الأممية والحس الإنساني الشامل والصداقة بين الشعوب، من هنا تناول في الكثير من أشعاره أحداثا مرت بها الشعوب في مختلف أنحاء العالم إضافة إلى البناء السوفييتي وشعاراته في تلك المرحلة . وكان قدره أن يعود إلى أجواء الحرب منغمسا بحيثياتها إبان الحرب الوطنية العظمى، وتبدو توجهاته المميزة في قصيدة " كيروف معنا " التي تعتبر من أهم قصائد تلك المرحلة ومن أهم نتاجاته (الربيع الجورجي، والجدولان، وظل صديق ، العام الناري..) وغيرها.. بات تيخانوف من نشطاء أنصار السلام وساهم في العديد من الندوات والمؤتمرات الدولية الداعية لتكرس السلم العالمي . وقد توفي عام 1979 .
قصائد لتيخانوف
باسم أفضل السعادات
مِنْ أصقاعِ الأرضِ أتينا
باسمِ سعاداتِ الإنسانِ المُثلى
فوقَ الأرض
وبباقاتِ الوردِ إلينا
هرعَ الأطفال
مثلَ بشائرِ فصلِ ربيع
وهناكَ وراءَ الجدرانِ مدينة
وادعةٌ ترتاحُ مجيدة
وهنا فوقَ نوافذِ هذي القاعة
رسمُ طيورٍ وهي تحلِّق
والطفلةُ من خشبٍ فارشافية *
فوقَ الطاولةِ انتصبت ما بينَ الزهرِ
يحدثُ أحيانا أن تنقشعَ صعابُ الدهرِ
أمامَ الناسِ كسطرٍ تافه
وأنا كنتُ رأيتُ على كتفِ الصين
كفّاً ناعمةً لصبي
وبعينيهِ الواسعتينِ راحَ يُحَملِق **
ينظرُ نحوَ العالم
عالمِنا الشاسع
في وسط القاعة
وهي مضاءَة
لتكادُ بحسِ القلب
أن تسمعَ حتى ما لم يُقلِ
يدويةٌ فولكلورية
كانَ اسمُ الطفلِ ( آنيلي ) أو ( يادي )
كلُّ الأسماءِ تليقُ به
كلُّ عوالمِ هذا الكونِ بنظرتِهِ الرائعة
كلُّ دروبِ العالمِ تمتدُّ أمامَه
نحوَ حياةٍ رائعةٍ يافعةٍ
مُرهَفةٍ ومشعّة
لن نحتفلَ بشكلٍ عابر
فالمستقبلُ عبر الحاضِر
في هيئةِ طفلٍ ظهرَ الكُنه
يقفُ الآنَ قريباً منّا
لندافعَ عنه
*- المقصود الدمى الخشبية التي تصنع في فارشافا ( وارسو )
**- المقصود أن عينيه اتسعتا اندهاشا
**********
زماننا سيعبر
زمانُنا سيعبُرُ
وتُفتحُ الدفاترُ
وكلُّ ما قد كانَ عنّا خافيا
سيظهرُ
أسرارُ عطفاتٍ بتاريخٍ مضى
ماكانَ مرذولاً وما قد كانَ
محموداً مجيدا
يجلوهُ عالمُنا وفيهِ سينظُرُ
يخبو بريقُ الآلهاتِ الأخريات
سترُ المصائبِ ينكشف
لكنَّ ما كانَ عظيماً في الأصالةِ لا يُحد
يبقى عظيماً للأبد
*********
بالادا عن المسامير
بهدوءٍ دخَّنَ الغليونَ حتى آخرِه
بهدوءٍ عن مُحياهُ ابتساماتٍ مَسَحْ
نحوَ خطِّ النارِ فليمضِ الفصيل
وأمامَ الركبِ ضباطُ الجماعاتِ
وأمامَ الكلِّ قائدُهم يسير
بخطاهُ الواثقة
.. يرتمي نطقُ الأوامر
في قوةٍ متزامِنة :
- تُرفعُ المرساةُ عندَ الثامنة
باتجاهِ الشرقِ سِر
من لديهِ زوجةٌ أطفال..
أو شقيقٌ أو حبيب
فليُسطِّر في رسالة:
- إنَّنا نحوَ الوراءِ لن نعود
لعبةُ النيرانِ يدريها الجنود
ويجيبُ الصوتُ في الصفِ العريف:
- سنُنفِذ
أصغرُ الشبّانِ سنّا
ذلكَ الشهمُ الشجاع
رمقَ الشمسَ التي التي لاحت على سطحِ المياه
هامساً في نفسِهِ من دونِ آه
إنَّما الموتُ سواء
ربَّما أهدأُ في عمقِ المياه
عندما جاءَ الصباح
راحَ يُصغي الأدميرال
- لم يَعُدْ من فِرقةِ التنفيذِ أيُ جندي
غيرَ أنَّ الأمرَ نُفِّذ
لو مساميراً سنصنع
منهمو ستكونُ أمنع
لن ترى في العمرِ مسماراُ يُصدَّع
***********
رسالة
رسالةً كبيرةً كتبتُ
عن الحياةِ والشطآنِ
من أعماقِ روحي كتبتُ
وأكثر رقةً من ذاكَ في بعضِ السُطورِ
وتحتَ تأثيرِ الرومانسية
أودعتُ الرسالةَ في زجاجة
لكي تحملَها الموجةُ الصامتة
وهي تغسلُها
رميتُ إلى الماءِ الزجاجة
واحترتُ لهذهِ الأعجوبةِ البحرية
إذ ظلتِ الزجاجةُ وسطَ الزبَدِ
الذي بدا كالزهورِ البيضاء
على بُعدِ خطوتينِ منّي
وقالَ ليَ النورس
وهو يُحلِّقُ مُتغامِزاً كالسنجاب :
- كلُّ هذا البحرِ لن يكفي لرسالةٍ كهذه
*********
أطفال العالم
ظلُّ مَن يتسَكَّعُ هناكَ يكادُ لا يُرى
هل عميت من الفجيعة ؟
إنَّها هيروشيما تبكي بغيومِ رماد
صوتُ مَن في الغيهبِ الهجيري
يُسمعُ كأنَّهُ صوتُ الجنون ؟
إنَّها ناغازاكي تبكي
على الأرضِ المحروقة
وفي هذا البكاءِ والنحيب
ليس لديكَ ما تصنعُ
كلُّ العالمِ تَجمَّدَ مُنتظِرا
من تُرى سيبكي من بَعد ؟
يا أطفالَ العالمِ اليوم ليس مزهراً
طالما يتسكعُ التهديدُ الكئيب
على هذا الكوكب
يا أطفالَ العالمِ كونوا حذرين
***********
مبهج حيوي
ها أنذا مبهجٌ مرحٌ حيوي
متعطشٌ للعطاءِ عطشاً مريخيّا
ولكن يبدو أنَّ السماءَ ليست خصبةً
والأرضُ هي ما يستحقُ الاهتمام
وتستحقُ أن أغدو قريباً منها
وأن أمزجَ الطينَ بالنارِ من جديد
وأن أنوِّرَ كلَّ رغبةٍ بسيطةٍ بيومٍ لا يُعاد
هكذا أعيشُ.. وحينَ أتعبُ من العيش
وتودُّ الروحُ أن تهدأَ في العشب
وتحملِّقُ العيونُ بالسماء
دونَ أن ترى
سأستحضرُ المحامينَ الشُقر
فليجدوا إذن بقانونِ المحاكِم
تلكَ الموادَ وتوابعَها
في أنَّ أياميَ العابِثة
عاثت فساداً بأقدامِها
**********




التواصل الاجتماعي