-
12.11.201112:29
الرسم يلتقي بالشعر على إيقاع موسيقى وأغاني فيسوتسكي
إعداد وترجمة: يفغيني دياكونوف
حظي فلاديمير فيسوتسكي بدرجة كبيرة من الشهرة والمحبة لم يحصل عليها شاعر او مغني او ممثل في الحقبة السوفيتية وذلك لدى كافة فئات الشعب السوفيتي والروسي.
مولده ونشأته
ولد فلاديمير فيسوتسكي في 25 يناير/كانون الثاني عام 1938 في موسكو. وكان ابوه سيميون فيسوتسكى عقيدا في الجيش وشارك في الحرب العالمية الثانية. اما امه نينا ماكسيموفنا فكانت تعمل مترجمة من اللغة الالمانية .
امضى فلاديمير فيسوتسكي طفولته وصباه وشبابه في موسكو حيث عاصر فترة الحرب و فرحة النصر وعودة المنتصرين من الضباط والجنود السوفيت من الجبهة وإطلاق سراح السجناء السياسييين من معسكرات الاعتقال الذين تعرضوا لحملات الارهاب على ايدي نظام ستالين. ورضع فلاديميرمنذ نعومة اظفاره لبن الخضوع للنظام والوفاء للتقاليد التي ليس بوسع الانسان السوفيتي ان يتخلى عنها دون ان يتهم بالخيانة . وكتب فيسوتسكى في اكثر اشعاره واغنياته شهرة "صيد الذئاب":
"..يجري صيد الذئاب
الوحوش الرمادية والجراء
يصرخُ المتعقبون بصخب
و الكلابُ تنبح حتى السعار
على الثلج دماء
واعلام حمراء تحاصر كالبقع
النزال مع الذئابِ
غير متكافئ
لكنْ يد الصياد لا ترتعدْ
بأعلامه الحمراء يقوض الحريهْ
وهو يصوب ويصيب
لا يمكن ان يخترق الذئب التقاليدَْ
يبدو ان الجرو الاعمى
الذي رضع في طفولتِهْ
من لَبن امه الذئبَهْ
رضع أن لا يتعدى الأعلام الحمراء.
والذئب دوما كذلك
وقد حلت ساعتي
انني مستهدفٌ
ويضرب الذي يصيبني.
ان ارجلنا وفكوكنا قويهْ
فلماذا يا زعيمنا
نسرع لنلاقي رصاصتنا
ولا نحاول تعدي الاعلامْ؟
التحق فلاديمير فيسوتسكي في عام 1956 بقسم التمثيل المسرحي في مدرسة مسرح موسكو للفن الاكاديمي حيث درس لغاية عام 1960، ثم بدأ يعمل ممثلا في مسرح بوشكين في موسكو . ويبدأ في الفترة ذاتها في ممارسة ابداعه الغنائي والشعري. لم تطبع اشعاره ولم يتم اصدارها على شكل دواوين بل تم تسجيل اغانيه في الاسطوانات والشرائط المسجلة ونشرها في ربوع الاتحاد السوفيتي سرا او بطريقة شبه رسمية. ولم تتضمن اغنياته التي قدمها عازفا على الجيتار اية مواضيع يمكن وصفها كنوع من التحدي للنظام، وفي الوقت نفسه تفادت عمدا اي موضوع يمكن ان يستعين به النظام لدعم أركانه. وحتى موضوع الحرب الذي كان النظام يستغله تقليديا لتمجيد دور الحزب الشيوعي في الانتصار على النازية كان فيسوتسكي يتناوله بغاية الصراحة. وخاصة في اغنيته المشهورة "كتائب الانتحاريين" حيث اعاد الى اذهان المستمعين السوفيت موضوع هؤلاء الجنود المساكين الذين حكم عليهم القضاء العسكري بالموت ووجههم الى اخطر اقسام الجبهة ليسقطوا هناك مجهولين ضحايا القصف الالماني :
"اقتطعوا الاخشاب للتوابيتِ
فها هي كتائب الانتحاريين تخترقُ الجبهةََ".
وانهالت عليه موجات من الانتقاد في الصحف السوفيتية المركزية، الامر الذي اضطره الى كتابة رسالة الى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي حاول فيها ان يبرر موقفه من النظام والواقع السوفيتي الاستبدادي واقناع السلطات بانه ليس منشقا سياسيا بل مغن وشاعر يحاول تحسين هذا الواقع.
فغفر المسؤولون له. حتى سمحوا له بأن يؤدى ادوارا سينمائية في الافلام الروائية التي كان يقدم فيها اغانيه. وفي كل فيلم اغنية جديدة تنتشر بسرعة هائلة في نسخ للشرائط المسجلة بين اوساط الشعب السوفيتي كله.
"ترمي بنادق الصيد من وراء الصنوبرِ
ويختبئ الصيادون في الظلِ
فتتضرج الذئاب على الثلجِ
مطروحة لأهداف حيَّه".
تعرف فلاديمير فيسوتسكي على مارينا فلادي الممثلة الفرنسية الروسية الاصل، فتزوجها ، مما اتاح له فرصة لزيارة الغرب والاطلاع على واقع يختلف جذريا عما كان يعيشه. وكتب فيسوتسكي في ذلك الوقت اغنية "انقذوا أرواحنا" حيث وصف أجواء خانقة يعيشها الشعب في الاتحاد السوفيتي. وكان موضوع تلك الاغنية حول بحارة الغواصات. لكن الجميع فهموا المقصود بها بالفعل:
"في المياه نغوصُ
ونستطيع المكوثَ
هناك طوال سنواتِ
لا نكترث بالطقس
واذا اكتشفونا
صرخت الراداراتُ
عن مأساةٍ
أنقذوا أرواحنا
نختنق ولا نرى الا السواد
أنقذوا أرواحنا ، فاسرعوا لعوننا
واستمعو اصواتنا يا من على البرِ.
تتخافت استغاثاتنا
و الرعب يصم آذاننا".
في عام 1971 عرضت في مسرح الدراما والكوميديا في تاغانكا الذي صار فيسوتسكي يؤدي فيه أدوارا تحت إشراف يوري ليوبيموف المخرج المسرحي المعروف، منها مثلا دور هاملت في مسرحية شكسبير . وبات مونولوج هذه المسرحية "يكون او لايكون" ليس من باب الاستعارة . وكتبت زوجته مارينا فلادي في كتابها "التحليق مقطوع" الذي ألفته بعد موت فلاديمير فيسوتسكى انه شهد الموت عام 1969 حين اكتشفته في غرفة الحمام والدم ينزف من عنقه. فاستدعت مارينا سيارة الاسعاف وعند حضور السيارة امتنع الاطباء عن نقله الى المستشفى خشية ان يموت في الطريق . وبعد ان كشفت مارينا عن كونها اجنبية وافق الاطباء على نقله الى المستشفى حيث انقذه الجراحون من الموت.
لكن الموت كان يصاحبه اينما كان . وكتب فلاديمير فيسوتسكي في احد اشعاره الاخيرة التي قدمها في برنامج تلفزيوني على شكل اغنية "على شفير الهاوية":
"على حافة الانحدارٍ وعند شفير الهاوية
اسوط خيولي
لا يرويني الهواء فأشرَبُ الريحَ
وابتلع الضبابَ
وأشعر بانني اهلك
وانتهي.
تمهلي! ايها الخيولَ تمهلي!
لا تنساقي وراء السيل عارمِ.
لكن خيولي شديدة العنادِ
لا تتركني اعيش اغني
ساسقي الخيولَ
واكمل الغناءَ
لاظل واقفا
على شفير الهاوية.
من سخرية القدر ان فلاديمير فيسوتسكي مات في 25 يوليو/تموزعام 1980 حين كانت موسكو خالية من أهاليها الذين هجّرت السلطات نسبة كبيرة منهم الى خارج المدينة لمساعدة نجاح الدورة الاولمبية . وحظر المسؤولون نشر نعيه في الصحف الرسمية لتفادي القلاقل. لكن النبأ انتشر فورا. فاجتمعت حشود من جمهور موسكو قبالة مسرح تاغانكا ليشيعوا شاعرهم واصبحت الملاعب الاولمبية شبه خاوية وخشيت السلطات من وقوع مظاهرة يشاهدها السواح الاجانب.
تقام كل سنة في ربوع روسيا امسيات ومهرجانات تقدم فيها اغنيات فلاديمير فيسوتسكي وتلقى اشعاره. ويعرض التلفزيون الروسي كل سنة برنامجا خاصا يكرس لفلاديمير فيسوتسي يحضره حتى اولئك الذين كانوا يمنعونه من الغناء والابداع.
قصــــــائد..أغان
ترجمة وتقـديم :
بُرهـان شـاوي
الأقـنـعــــــة
كما في المـرايا المحـدبة،
أبـدو ضاحكا، بينما في أعماقي غارق أنا في البكاء..؛
وبما أنني دُعيت إلى الحفـل، فقد تظاهرتُ باللبـاقة..؛
حيث الأنـوف المشبكة، والتكشيرات العريضة حتى الأدنين ؛
كما في كرنفـلات فينيسيا بالضبط.
مـاذا علي أن أفعــل؟ أأهـرب؟ نعم..نعم..وبسرعة..؛
لكـن ربما يمكنني المـزاح معهـم قليلا
آمـلُ ذلك، أو ليس تحت هذه الأقنعـة لوجوه الحيوانات،
ثمـة وجـوه بشـرية.؟؟
كلهـم يضـعون الأقنعــة، والشعر المستعار..كلهـم..كلهــم
فهنـا الـراوي، وهنـاك الأديـب،
وجـاري من اليسار مهـرج حـزين
والآخـر سـياف،
وواحـد من كـل ثلاثة يضع قناعا لغبــي.
أحـد الـوجــوه يسعى لرد الاعتبـار لنفسـه
ووجـه آخــر يتخفـى، ولا يعلن عن نفسـه
وهنـاك من لا يستطيع أن يميز نفسه عن قنـاعه..!
وأنـا أدور مـع الراقصـين مقهـقهـا
لكنـني لـسـتُ مطمئنـا لهـم
فـلربمـا يعجـب قنـاع السياف صـاحبه
أترى سوف ينزعـه..؟
ولربما، يعشـق المهـرج الحـزين وجهـه الكئيب
فلا ينزعـه أبدا
ومـاذا لـو أن الغبـي وهيئتـه الحمقـاء
ينسى وجهـه الحقيـقي، فيظل غبيـا.
أو ربما تنطبـق الـدائرة عـلي ، فجـأة،
ويمسكون بي، ليجرجروني إلى الـرقـص
وأنـا بوجـهي الحقيـقي؛
بينما يتصـور الجميـع وجهـي قنـاعـا؟؟
مفـرقعـات، وحـلوى، ورغم هذا لست ُ على مايرام
فالأقنعــة كانت تتفـرس بي بعتـاب
وهـا هـم يصـرخـون بأنني خرجـت ُ عن الإيقـاع
وإننـي أدوس أقـدام الـراقصيـن..!
هـا هـي الأقـنعـــة ُ الشـريرة تسـخر مني
والأقنعــة المـرحـة بـدأت بالغـضـب
فخـلف الأقنعـــة، مثـلمـا خـلف الجـدار،
تتخـفى الـوجــوه البشـرية الحقيـقية.
لينـابيع الإلهــام سأسعى بنفسـي
إذ سـوف لن أطلب من أحـد ان يكشـف عن نفسـه
فمـاذا لـو خُــلعت الأقنعــة، وأتضـح الجميع
بنصـف قنـاع، ونصـف وجـه؟؟
أنا بأسـرار الأقنعــة لعـليم
وواثـق ٌ بأن فهمي لهـا لصحـيح
فأقنعــة اللامبـالييـن ؛ بالنسـبة لهـم
واقيـة من البصـاق والصـفعـات!!
وأنت أيهـا الوجـه المنـافق، لو كنت بلا قنـاع..فـلـترتـديـه
وأنتـم...أنتــم..كـل شـيء مكشـوف
فلمـاذا تتخـفون خـلف وجـوه أخــرى
بينمـا وجـوهـكم ، في الـواقع.
.رائعـة
ولكـن أنـى لـي أن لا يفـوتني الـوجـه الطيـب
وكـيف لـي تخمـين الشـرفاء، دونما ظـل من الشك؟؟
فلقـد جــاء الجميـع إلى هنـا واضعيـن الأقنعــة
كـي لا تتهشـم وجـوهـهم من ضـرب الحجـارة.
أغنيــة عـن الصـــديـق
إذا أتضـح لك الصـديق، فجـأة،
بأنـه ليس صـديقا، ولكنه ليس عـدوأ أيضا..
إذا لـم تسـتطع، بفراستك، أن تتحـقق
من كونه سيئا أم جيدا
فخـذه معـك لتسلق الجبال،
وهناك لا تتركـه وحـده
بل دعـه معـك في مشـد واحـد
حينها ستعرف من هـو..
إذا ذهب الفتى معك إلى الجبال غير متـأوه
لكن إذا استرخى، وخطا خطوة على الجليد
فتعثـر، ثم تعــالى صـراخه
فهـذا يعنــي بأن الذي معك..غـريـبٌ
لا تـلمــه..اطــرده
فللأعــالي لا يأخـذون أمثـاله
وهنـا
عـن أمثـاله لا أغنـــي.
وإذا لـم يشـتك، ولم يتـوجـع،
رغـم أنه كان متجهمـا، وعبوسـا
لكنه مضى معـك
وحينما سقطتَ أنتَ من الصـخـرة
أطلـق أنـة ً..لكنـه تماسـك
أو أنه ذهـب معك، وكـأنما ذاهب إلى معـركـة
وهناك على القمـة وقـف نشـوانَ
فهـذا يعني، كما تعتمـد على نفسك،
تستطيع الاعتمـاد عليـه..
الســـــفــن
السفنُ راسية ٌ، ومصطفـة ٌ، ومتهيئـة
لكنهـا سترجع خـلال فصل المطـر
ولـن يمـر نصـفُ عـام حتى أظهــر
كـي أرحــل ثانيــة
لكي ارحـل أنا أيضـا لنصف عـام.
الكـلُ يعـود، إلا أفضـل الأصـدقاء
إلا أحـب وأوفــى النســاء
الكــلُ يعـود، إلا الـذين نحتـاجهــم..؟
لا أثـق بالقــدر
وبنفسـي لا أثـق أكثـر
لكـن بودي أن أثـق بأن الأمر ليس كذلك
وأن حـرق السـفن، مثل ( الموضة)
سينتهي قريبا
سأعود أنا، طبعا، إلى الأصـدقاء
سأعود أنا، إلى الأحـلام
وطبعـا سـأغني،
وأنا سأغني طبعا، ولا يمـر إلا نصف عــام
لا أحــــــب
أنا لا أحب المصير المحتـوم
فمن الحيـاة أنا لا أتعـب أبدا
لا أحـب أي فصـل من فصول السنة
حينما لا أغنـي فيه أغـاني الفـرح
لا أحـب المجــون البـارد
كمـا لا أثـق بالحمـاسة.. ولا أحبها
وأيضا لا أحب حينما يقرأ الغريب رسائلي،
وهويبصبص من خـلف كتفـي
لا أحـب ، حينما يُقطـع الحـديث
وهو لم يتم بعـد
كما لا أحـب حين يطلقون النار من الخلـف
لا ولا حينما يطلقونها عن كثب
أكـره النمـيمـة
ودودة الشـك
وحسك التشريفات
أو عندمـا يمُسّـد الصـوف عكس انسداله
أو عنـدما يُطـرق الحـديد على الـزجـاج.
لا أحـب إطمئنان الشبعانيـن
ومن الأفضل، حقا، أن لا يكبحـوا
ويسوؤني حيثما تكون كلمة ( الشـرف ) قـد نُسيت
أو حـالما يُطعـن الشـرف أمام العيـن
وعـنـدما أرى الأجنحـة المتكسرة
لا تأخـذني شـفقة، ولا أود أن أخفـي ذلك
فأنا لا أحـب القسـر، ولا العجـز كذلك
لكني، رغم ذلك، أشفقتُ على المسيح المصـلوب
لا أحـب نفسي عندما تجـبن
فأنا لا أصـبر حينما يضربون البـريء
ولا أحـب حينما يتسـللون إلى روحـي
والأكثر من كل هـذا
يبصقـون عليهـا.
لا أحـب ميدان السـيرك او حلبات الألعاب
فهنـاك يتم تبادل اللطـف بالروبلات
ودع عنك بأن هنـاك تغييـرا كبير أمـامنـا
فـرغم هـذا
لن أحبه أيضا.







التواصل الاجتماعي