بقلم د. أيمن أيمن أبو الشعر – موجز عن دراسة مطولة
ولد سيرغي يسينين في الثالث من تشرين أول عام 1895 – حسب التقويم الجديد – في منطقة ريزان في أسرة فلاحية، وأمضى طفولته في أحضان الطبيعة التي ظهرت ظلالها في معظم نتاجاته :
وُِلدتُ بحُضنِ الأغاني على شرشفٍ
من العشبِ
والصباحاتُ الربيعيةُ قمَّطتني بقوسِ قزح
وتابع يسينين تفاعله مع الطبيعة أثناء دراسته الثانوية في منطقة ريفية، وكان يفر من المدرسة التي اعتبرها سجنا وجحيما، وذلك
يبدأ يسينين منذ عام 1914 بنشر أشعاره وإلقاء بعضها في الجامعة حيث كان قد انتسب إلى كلية التاريخ والفلسفة ، وعلى الرغم من أن يسينين تأثر بالجو العام المتحمس للحرب من خلال بواعث وطنية إلا أنه ظل إنساني التوجه ، ونرى موقفه الرافض لها فيما بعد في قصيدة "آنا سنيغينا" :
لقد قَضَمَتْ الحربُ روحي
من أجلِ مصالحَ غريبةٍ عني
أطلقُ النارَ على جسدٍ حميم
وأجمَحُ بصدري قاصداً أخي
لقد فهمتُ أنني ألعوبة
ففي الداخلِ التجارُ .. والسادة
لذا قررتُ بعزمٍ مودعاً المدفع
أن أقاتلَ بالشعرِ وحده
سرعان ما يغادر يسينين موسكو التي لم يتواءم مع الحياة فيها إلى بطر سبورغ، وهناك يفلح في لقاء الكسندر بلوك الذي كان في أوج شهرته فيستمع إليه ، ويختار بنفسه بعض القصائد للنشر مع تعليق يثني عليها. تتوالى قصائد يسينين في الظهور بعد ذلك، وتعيره الصالونات الأدبية اهتمامها ،وتظهر مجموعته "رادونيتسا" التي تلقى ترحيبا حارا ، ويتعرف في هذه الفترة على الشاعر كلويف الذي يؤثر عليه تأثيرا كبيرا، وينتقل معه من تجمع "كراسا" (الجمال ) إلى تجمع "الموسم"، وكان يسينين يرى في الشاعر كلويف معلما رغم اختلاف النهج الفني . يعمل يسينين في الخدمة العسكرية أيام الحرب في التمريض ، ويسعى بلاط القيصر لاستمالته لكنه يرفض مديح القيصر فيصدر البلاط قرارا بإرساله إلى الجبهة ، لكن تصاعد الأجواء الثورية والفوضى يساعده على ترك الخدمة العسكرية، ورغم تعاطفه العام مع أجواء الثورة إلا أنه يبقى تحت تأثير كلويف، وينخرطان معا في تجمع أدبي آخر هو "سكيفي" الذي كان يدعو إلى الاشتراكية الأبوية وإحياء الروح السلافية، ومع انتصار الثورة ينغمس في بعض نشاطاتها بما في ذلك الأمسيات الجماهيرية حتى أنه يشارك في بعض النشاطات الرسمية الكبيرة ويمجد يسينين شهداء الثورة إبان تدشين اللوح التذكاري لهم عام 1918 :
ناموا يا أحبتي يا أخوتي ناموا
هاكم ِمن جديدٍ أرضُكمُ الحميمة
ناموا يا أحِبَّتي يا أخوتي
فقُربكم يعبُرُ الشعب
خائضاً الحِمامَ نحوَ فجرِ الكون
لكنه سرعان ما ينضوي تحت جناح الاميجانيزمية مما يدفعه إلى التشتت والانغماس في الشكلية رغم محافظته على خصوصيته الفنية، وخاصة عشقه للريف والطبيعة الفلاحية التي تبقى هاجسه المتألق، ومن خلال هذا الولع تتكاثر صور الطبيعة المختلفة بألوانها الزاهية وأشجارها وعصافيرها وسهوبها، حتى يكاد يستنطقها في العديد من قصائده التي كانت تعبر عن عشق حقيقي لمظاهر الطبيعة والريف:
يَتُها النحيلةُ يابتولا
لِمَ في القناةِ تُحدِّقين
ما ذا توشوِشُكِ الرياح
والرملُ في هذا الرنين
على أن هذا الولع بالريف والطبيعة يتحول إلى عقدة جدية ، وذلك نتيجة تصوره بأن الثورة الصناعية ستسحق الريف وطيبته وفطريته، حتى تقترب مشاعره هذه من الاحساس بالفاجعة خوفا على الريف من مظاهر الحضارة الآلية :
أيتها المدينة .. أيتها المدينة
أنتِ في عراككِ القاسي
عمدتينا بالدناءَةِ كالجيفة
ويصل به الأمر إلى مواساة الحصان في هزيمته أمام القطار :
عزيزي .. عزيزي أيَّها المضحكُ الغبي
إلى أينَ إلى أينَ يركض ؟
ليسَ من المعقولِ أنه لا يدرك
أن الحصانَ الحديديَّ قد انتصرَ
على الأحصنةِ الحيَّة
ويقدم يسينين أعمالا نوعية متماسكة ومعبرة لعل من أروعها قصيدة "بوغاتشوف" . يتحدث في هذا العمل المتميز بنوع من تقمص روح تلك المرحلة عن الثورة الفلاحية التي قادها بوغاتشوف في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، ويركز على عدالة النضال ضد المستغلين ، ويبدو فيها نضج واضح حتى في فهم بعض جوانب عقلية الملكية الفلاحية ، تلك التي تدفع حتى إلى خيانة الفلاحيين لبوغاتشوف القائد الشعبي البسيط المتفاني في سبيل الآخرين، حتى أن بعض الحوارات تظهر بذكاء هذا الجانب النفسي العميق في عقلية الفلاحين ، وخاصة حين تكون المفاضلة بين التضحية وتلك الملكية التي تنتظره حتى وإن كانت مجرد بيت ريفي :
كيفَ الموت..!!
هل يمكنُ أن يفكرَ القلبُ بهذا
طالما لي في بينزين دارٌ هناك
ويبدو أن عوامل غير مفهومة تماما أعاقت انخراط يسينين في أجواء الثورة كماياكوفسكي مثلا ، فعلى الرغم من أنه كان قد تفاعل بما فيه الكفاية مع حركة الجماهير المتصاعدة ، إلا أن النفور غير المفهوم في تلك المرحلة من البعض تجاهه حال دون ذاك ، حتى أن بعض المعطيات تشير إلى أنه أعد طلبا للانتماء للحزب الشيوعي، وكانت قصيدته "قارع الطبل السماوي" بمثابة عربون لهذه الخطوة ، على أن القصيدة لم ترق لبعض المتنفذين ورفضوا نشرها في البرافدا، وكان التعليق على مسودتها بأنها مجرد هراء ، هذه المواقف كما يبدو عمقت من إحساسه بأنه غير مرغوب فيه، وأن الآخرين مسؤولون عن تشتته هذا وجعله بين بين :
إنني اتهِمُ السلطةَ السوفييتية
لأنني لم أرَ شبابيَ في صراعِ الآخرينَ المضيء
ما الذي رأيتُه أنا ..
أنا رأيتُ المعاركَ فقط
وبدلَ الأغاني سمعتُ المدافع
التشتت الفني الذي عاشه يسينين ، وانغماسه في الاميجانيزمية دفعه إلى حب الشقاوة والافتعال التصويري أحيانا، وبدل الأعشاب والسهوب والبلابل ظهرت صور مغايرة تماما ، كالغيوم المنهوشة وحقل الجماجم وعاصفة الثلج سعال منتن والمجاديف أياد مقطوعة، حيث دعت الاماجينيزم إلى جعل الصورة هدفا مطلقا بعيدا عن المضمون وازدراء أي محتوى اجتماعي .. لكن هذا التشتت لم يمح خصوصيته وعذوبة شعره الذي كان يناوح في معظم نتاجاته ، ولكنه انعكس على حياته العائلية الأمر الذي يتجلى في قصيدته الرائعة "رسالة إلى امرأة" كاعتراف من أعماق القلب إلى زوجته التي عانت من حياته الفوضوية الكثير:
آهِ يا محبوبتي
إنني عذبتُ روحك
والكآباتُ تبدَّتْ وسْطَ عينيكِ الكليلةْ
وأنا كنتُ أمامك
مُظهرا شخصيتي في خصامٍ باهتٍ أنفقتُ نفسي
غير أني ما عرفتُ
أنني وسط الكثيف من الدخان
كنتُ أحيا وسط إعصار الوجود الفوضوي
لم يعايش يسينين أحداث الثورة والتحولات الكبرى كشاعر ناضج تخمرت تجربته، بل كان ينضج عبرها يتعثر حينا وتتشتت مشاعره ثم تتجدد، لقد كان تلميذا فطريا سريع التلقي لمعطيات الحياة سهل الانقياد للآخرين عبر مشاعره التي تعايش الأحداث الكبرى واليومية بتفاعل يحولها أحيانا من جهة إلى أخرى، حتى أنه يعترف بهذه الحالة مقرا بأن هناك تأثيرات عديدة مرت عليه، ومن هنا يوضح أنه بات يعرف ما هو من نتاجه وما هو ليس له وأنه يقدر الأول بالطبع ..واللافت أن حزنا خفيا يفوح من بين سطور العديد من القصائد حتى لو كانت ترصد حالة سعيدة، ربما نتيجة احساس عميق بأن هذه السعادة التي تمثلها الطبيعة زائلة، فتظهر أحيانا صور الجنازات والقداديس والدفن ( .. إلى جانب نافذتي حملوك ليدفنوك...- أو – فهيا لندفن شبابي معا ..- أو – رنين الرياح مثل قداس يغني ..)، ومع ذلك لا يجوز اعتبار يسينين متشائما فهو يواجه حتى مثل هذه النزعات الطارئة بالانغماس في خضم الحياة ولذاتها، ويلجأ إلى الحلم مع مسحة رقيقة من الحنان الإنساني الطاغي والاقتراب من الناس ولغتهم وحياتهم ،لأنه في الواقع لم ينسلخ عنهم في عمق أحاسيسه لدرجة أنه في موضوعة الريف التي كان يعشقها لا يرسم لوحة جامدة بقدر ما يدفع القارئ إلى معايشة الاحساس بهذه اللوحة الأثيرة لديه وكأنه يعيشها معه:
يتأججُ الشفقُ ، ويتكثَّفُ الضباب
فيرمي فوقَ النوافذِ المزخرفةِ ستارةً قانية
وتنسجُ العناكبُ خيوطَها الذهبية
وفأرٌ ما يُخربِشُ في العنبرِ المُغلق
قبل ذلك وفي في عام 1922 يلتقي يسينين بالفنانة الأمريكية الشهيرة دونكان المعجبة بالثورة ، والتي كانت في زيارة فنية لموسكو آنذاك، ويتزوجها ويسافر معها إلى أوربا. يظل يسينين وفيا لروسيا بل لعل هذا الرحيل عمق أكثر فأكثر من حبه للوطن والثورة ، ووسع من نفوره من المجتمع الرأسمالي فيكتب عن ذاك المجتمع قصيدة تحت عنوان " بلد الحقراء " .. وحين يعود إلى الوطن تتعمق صورة البطل الإيجابي لديه ،إلا أن حالته النفسية والصحية تتردى ، وخاصة حين يفشل في إقناع زوجته بأنه قد تغير، وكانت قد تزوجت من مخرج مسرحي وراحت تعمل معه . قبل رحيله إلى لينينغراد يعرج إلى بيتها، ويبدو أن كل شيء كان قد حسم ، وبعد يومين يغادر العالم منتحرا .وربما نجد بعض بواعث هذا الانتحار في ملحمته الرائعة "الشبح الأسود" التي سنتوقف عندها في مقالة موجزة عن دراسة مطولة تتضمن بعض المقارنات مع روائع عالمية أخرى.
قصائد لسيرغي يسينين
ترجمة د. أيمن أبو الشعر
روسيا
للمجدِ يامحبوبَتي ياروسيا
أكواخُ فلاحيكِ تبدو كالقداسةِ
في الإهاب
لا حدَّ يُلمَحُ أو نهاية
لا شيءَ غيرُ الزرقةِ
تمتصُّ عمقَ المقلةِ
وكعابدٍ قد مرَّ ملتاعاً رهيفا
نحوَ السهوبِ تطوفُ عيني
عندَ السياجِ الواطئ ِ
والحورُ يذبلُ وادعاً يذوي حفيفا
عبرَ الكنائسِ ينضحُ
عيدُ الخلاص
من عابِقِ التفاحِ والعسلِ
والرقصُ هياجاً بلا مللِ
يلهو بباحاتِ الحقولِ ويمرحُ
أعدو على الأعشابِ وهي مُمَدَّدةْ
وسْطَ الفسيحِ من المروجِ السنبليَّة
وتجيئني للمُلتقى مُتردِّدَةْ
ضحكاتُ فاتنةٍ صبيَّة
إن صاحَ في أذني
صوتٌ لقديسين
اهجُر بلادَكَ روسيا تُوهب لكَ الجنة
لهتفتُ في الزمنِ
لا أبتغي الجنَّة
بلْ أعطني وطني
*******
الحرج الذهبي
الحرجُ الذهبيُّ استنفدَ قولَهْ
بلسانِ بتولا
مرحاً ينساب
وعصافيرُ الحرجِ تهادَتْ حزنا
لن تأسى على أحدٍ من بَعد
وعلى مَنْ يأسى العصفور
والكلُّ بعالمِنا جوّال
يأتي يعبرُ والمرةُ تلوَ المرَّة
يتركُ بيتَهْ
قصبٌ يحلمُ بالماضي كلِّ الماضي
وبصحبتِهِ البدرُ الرحبُ أطلَّ على الماءِ
من فوقِ قناةٍ زرقاءِ
وأنا وحدي وسْطَ الحقلِ العاري
وعصافير عني تنئيها ريحٌ هوجاء
وأنا مُفعم
بهمومِ شبابي اللاهي
لكنّي لا أأسى على شيءٍ قد فات
وعلى سنواتٍ قد هُدرت وهماً وهباءْ
لا يُحزنني أن اللونَ المتهادي
في الروحِ يظلُّ رمادي
فثمارُ الريبينِ تلَّظت
كالموقدِ في البستانِ اتقدا
لكن هيهاتَ لها أن تُدفأ أحدا
فعناقيدُ الريبينِ وإن زادت ألقا
لن تحترقا
بالصفرةِ لن تفنى الأعشاب
بهدوءٍ مثل الشجرة
إذ ترمي عنها الأوراقْ
أرمي كلماتي المحزونةَ عبْرَ الآفاقْ
فلئِن يتأرجحُ وسط الريح
هذا الزمنُ
ويكوِّمها مهملةً حولَهْ
لا بأسَ فقولوا
الحرجُ الذهبيُّ بعذبِ الصوتِ استنفدَ قولَهْ
********
الشجرة
تسريحةٌ خضراء
نهدٌ أنثوي
يَتُها النحيلة
يا بتولا
لِمَ في القَناةِ تُحدقينْ ؟
ماذا توَشْوِشَكِ الرياح
والرملُ في هذا الرنينْ ؟
أمْ تَحلُمينْ ؟
في أنْ يغلَّ إلى الجدائل
مشطُ القمرْ
بوحي بسِرِكِ يابتولا
واكشفي عنْ سرِّكِ الخشبيِّ لي
أحببتُ آهاتِ الحفيف
إذ لَفَّهُ حزنُ الخريفْ
.. وتجيبني تلكَ البتولا
يا صديقي يا فضولي
اليومَ في الليلِ المُرصَّعِ بالنجوم
عِندي هنا راعٍ بكى
والبدرُ قد فَرَشَ الظِلالْ
فتلألأتْ قُربي الحَشائِشْ
قد ضَمَّ ساقي العاريةْ
مُتنهِّداً في حرقَةٍ مُتواريةْ
وهناكَ تحْتَ رَنينِ أغصاني هَمَسْ
آنَ الوداعُ حمامتي
فإلى العصافيرِ الجديدة (1)
(1)- المقصود أن اللقاء سيكون في موسم العصافير القادم ( في الأصل اللقالق )
******
رسالة إلى امرأة
تَذكُرينْ..
أنتِ حتماً تذكرينْ
كلَّ شيءٍ تذكرينْ
كيفَ مأخوذاً وقفتُ
هاهُنا قُرْبَ الجِدارْ
حينَ أنْتِ
رُحْتِ وسْطَ الغرفةِ الصمَّاءِ - في نزقٍ - وَجِئْتِ
وبِوجْهي قدْ نَهَرْتِ
ثمَّ قلتِ:
لا مفرَّ الآنَ مِنْ هذا الفِراقْ
فحياتي العابِثةْ.. عذبتكِ
وعليَّ الآنَ أنْ أحسمَ أمري(1)
ونصيبي الانزلاقْ
موغِلاً نَحْوَ القرارْ
.. آهِ يا مَحبوبتيْ
إيايَ ما أحببتِ أنتِ
ما عَرَفتِ أنني في زَحمَةِ الناسِ ارتميتْ
كحصانٍ بالغِ الإعياءِ يبدو نِصفَ مَيْتْ
فوقَهُ لكزاً يَفورْ
عبءُ خيّالٍ جَسورْ
ما عَرَفتِ ..
أنني وسْطَ الكثيفِ من الدخانْ
كنتُ أحيا وسْطَ إِعصارِ الوجودِ الفوضوي
ولِهذا أتَعذَّبْ
أنني لا أفهمُ
أينَ ترمينا مقاديرُ الأمورْ
في التصاقِ الوجهِ بالوجهِ
لا يَرى الإنسانُ وجهاً
يَلمحُ الإنسانُ أجلى من مَسافةْ
حينَ يغلي فوقَ سطْحِ البحرِ ماءْ
فالسفينة
سوفَ تأوي للبكاءْ
أرضُنا هذي سَفينةْ
سوفَ يَهديها السبيلْ
فجأةً إنسانْ
حازمٌ صلْبٌ جليلْ
للحياةِ البكرِ للمجدِ الجديدْ
مِن كوى الإعصارِ والعصفِ العنيدْ
آهِ لكنْ مَنْ تُرى مِنّا على سَطْحِ السفينة
مِن دُوارِ البحرِ يوماً لم يقعْ
لم يَلعنِ الدُنيا ولا يوماً تَقيّأ ؟
قِلَّةٌ مَن عِندَهم روحُ المُجرِّبْ
مَن يصونُ النفسَ عِندَ الأرْجَحَةْ
عِندها إذْ كنتُ وسْطَ الضَجَّةِ المتوحِشَةْ
مُدرِكا بالنُضجِ ماذا أعملُ
قدْ توجهتُ إلى قبوِ السفينةْ
أتَّقيْ مرأى التقيؤْ
كانَ هذا القبوُ مقهى روسيا
وعلى كأسي انْكَبَبْتُ
أنزويْ كي لا أرى مَنْ قدْ لِمرآهُ أُعانيْ
أقتلُ النفسَ بِدوارِ الخُمُورْ
آهِ يامَحبوبَتيْ
إنني عَذَّبْتُ رُوحَكْ
الكآباتُ تَبدَّتْ وسْطَ عينيكِ الكليلةْ
وأنا كُنتُ أمامكْ
مُظهِراً شخصيَّتي في خِصامٍ باهتٍ أنفَقْتُ نَفسيْ
غيْرَ أني ما عرفتُ
أنني وسْطَ الكثيفِ منَ الدُخانْ
كنتُ أحيا وسْطََ إعصارِ الوجودِ الفَوضَويْ
ولِهذا أتعذَّبْ
أنني لا أفهمُ.. أينَ ترمينا مقاديرُ الأمور
وأنا الآنَ وقد مرَّتْ سنين
عُمريَ الآنَ اهتدى
غَيْرَ ما كانَ بدا
وبِشكلٍ آخر بتُّ أحسْ
وبشكلٍ آخر بتُّ أُفكرْ
بتُّ أعلى أرفعُ الأنخابَ في الأعيادِ أصدحْ
أغدقُ المجدَ على الربّانِ أمدحْ
وأنا الآنَ وفي وسْطِ العواصفِ إذ تلينْ
أذكرُ الإرهاقَ في عينيكِ والتعبَ الحزينْ
أهرعُ الآنَ إليكِ
كي أقول
أيَّ إنسانٍ أنا إذْ ذاكَ كنتُ
أيَّ إنسانٍ غدوتُ
آهِ يامحبوبتيْ
كمْ يريحُ الصدرَ مني أنْ أقول
قد نجوتُ من السقوطِ إلى المهاوي
وأنا الآنَ هنا في بِلاد السوفييت
أكثرُ السمّار إبحاراً بأسفارِ الطريق
غيرَ ما كنتُ غدوتُ
لنْ تَرَيْ مني العذابْ
مثلما كانَ زمانا
فأنا من أجلِ تلكَ الرايةِ
رايةِ الحريةِ الجهدِ المنيرْ
مستعدٌ أن أسير
لو إلى ( لامانش )
اغفريْ لي
أنني أدريء بأنَّك
لستِ لي
تسعدينَ الآنَ والزوجَ الذكيّ
وهوَ جديٌّ ويبقى دائمَ الأوقاتِ قربك
هَمُنا ما عادَ يَعنيكِ
لم أعدْ حتى انا لو قيدَ شَعرَهْ
بَعدُ أُجديكِ
هكذا عِيشي كما يختارُ فأُلكْ
تحتَ عرزالِ تجدَّدَ بالظِلالْ
وتحيات الذي ذِكراكِ فيه
دائماً طولَ السنينْ
من زميلٍ تعرفينْ
وهْوَ سيرغي يسينين
*********
(1)- ينتقل يسينين هنا من ضمير المتكلم إلى المخاطب و الحديث عن لسان الزوجة، وفي الأصل عليك أن تحسمي أمرك وقد أثبتناها بهذا الشكل كونه ينقل عنها ما قالت أما الضمير في ومصيري فيعود إلى الشاعر الذي يتابع رصد الحدث.
حول رائعة يسينين " الشبح الأسود"
بقلم د. أيمن أبو الشعر
كان يسينين نقيا بسيطا جميل القلب كالريف الذي أتى منه ، و لم تستطع روحه التأقلم لا مع حياة المدينة ولا مع معظم معاصريه من الأدباء والشعراء ، وهو ما يفسر انتقاله من تجمع إلى آخر ومن تيار أو مدرسة إبداعية إلى أخرى، كما أنه تعرض لهجوم وانتقادات حساسة وقاسية الأمر الذي أشعره بهذا الشكل أو ذاك بأنه غير مرغوب فيه، وذلك في وقت التحولات الثورية الكبرى آنذاك، والذي كان يمضي بخطى متسارعة ومدوية. كل ذلك كما يبدو دفع يسينين إلى الاندفاع نحوالحياة بكل ما فيها وكيفما اتفق، كشقي وعابث وماجن ومتقلب الأهواء وفاشل حتى في حياته العائلية ، لكنه في هذا وذاك لم يستطع التخلي عن قلب الناسك الطاهر، وعن ينبوع الطفولة في روحه، من هنا تأتي اعترافاته في الشبح الأسود صادقة حتى تمس شغاف القلب، وتشعرك بالأسى الهائل الذي عايشه يسينين عبر التشتت والمحاولة والضياع.
هذه الفصيدة على الرغم من بساطتها الظاهرية تحمل في أعماقها تساؤلات حساسة حول نسبية الخطأ والصواب وانعكاسها على نفسية الإنسان ، ومقاربات مع أبطال أعمال عالمية كبيرة تذهب إلى شمولية صراع الخير والشر، فهي تتطور منذ مشهدها الأول في حوار بين يسينين والشبح الأسود وهو في الواقع مونولوج داخلي كما سنرى، وهو يلتجئ إلى صديق وهمي لينجده من حالته منذ المقطع الأول:
ياصديقي ياصديقي .
إنني جداً مريضُ
ومرضه هذا من الحدة بحيث جعله يدخل في عالم الهلوسة، وتتراءى له صور عجيبة من وقع الحمى أو تأثير الخمرة، فالرياح تعوي ورأسه يصفق بأذنيه وتنمو ساقان لرأسه.. ويظهر له الشبح الأسود الذي سندرك بعد حين أنه في الواقع ماضي يسينين نفسه، الماضي المظلم والتأثيرات والأفكار التي يعتبرها دنيئة في لخظة صدق مع الذات :
كائنٌ أسود
طيلةَ الليلِ أمامي
لا يدعني لمنامي
ويبدأ هذا الكائن يقض مضجع يسينين وتذكيره بذاك الماضي اللعين، والمثير أن يسينين يتحدث هنا وكأنه شخص ثالث لا صلة له بمن يتحدث عنه الشبح الأسود الذي يبدأ يقص عليه سيرة ماكر رعديد مغامر شاعر .. ولتوضح الصورة عبر تناميها يذكر الشبح الأسود الأماكن والأجواء التي عاش فيها بطله الذي يقص عنه ، فإذ بها اماكن وأجواء يسينين نفسه :
كان هذا الكائنُ الإنسانُ جواباً مغامر
أخبثَ الأصنافِ ماكر
وأنيقاً كان شاعر
وقواه
لم تكن كُبرى ولكنْ حاذقة
كان قد سمّى امرأة
ناهزت في العمرِ سنَّ الأربعين
بالفتاةِ المارقةِ
ويسميها دلالاً فتنتي
هنا يبدأ انعطاف حاسم في هذا السرد المتصاعد كثقل نوعي للإدانة ،فهذا المقطع أكبر دليل وأوضح دمغة تظهر من ضميره مباشرة على لسان الشبح الأسود، وكأنه يريد أن يعري روحه تماما، فهذه المرأة ما هي إلا الفنانة الأمريكية دونيكان التي التقى بها في موسكو إبان حفل أحيته، وتزوجها وسافر معها إلى أوربا وأمريكا، وهي صفقة غير مباشرة يعلن عنها فجأة يسينين كاعتراف صارخ، فتلك المرأة تجاوزت الأربعين وهو بعد في السابعة والعشرين، لكنها جسر لمطامح ورغبات عديدة من هنا فإن تعليق يسينين سرعان ما يظهر مبعدا نفسه عن تلك التهمة ظاهريا حيث يشن هجومه على الشبح الأسود، وكأن الأمر لا يعنيه وكأنه ليس هو الذي تزوج بدونيكان :
ما الذي تعنيهِ لي سيرةُ شاعر
وهو شريرٌ مشاكس
قصَّ ما تبغي لغيري عنه – أرجوك- وحدث
لكن الشبح الأسود يعرف جيدا ما يقول حتى بنظرات عيونه التي تخترق يسينين وتعريه مجددا حتى دون أن تنطق هذه المرة حيث يفسرها يسنين بنفسه:
نحوَ وجهي بات ينظر
.. ودَّ لو صاحَ بوجهي
أنني لصٌ وسارق
أنني دونَ حياء
في لحظة الضعف والانكسار والهزيمة هذه يعود يسينين للالتجاء إلى صديقه الوهمي مكررا سوء حاله وانكسار روحه وتمزقه، ويبدأ منذ المنعطف الثالث هذا بترتيب ملامح اللوحة الأخيرة بالغة الأهمية مضمونا وتقنيا، فيرسم صورته منعكسة على زجاج النافذة وأنه وحده تماما تاركا لشلال الصور أن يرسم حالته بفنية عالية، فإذا السهول مغطاة بالبياض كمنثور مسحوق الكلس، وإذا بالأشجار تتحرك وتترك مكانها وتدنو إليه كالفرسان، وإيقاع سنابك هذه الفرسان الخشبية يتعالى.. بعد هذه الصور الحركية في مشهد تحضيري يشبه المقدمات المسرحية لحدوث أمر جلل يظهر الشبح الأسود من جديد، وهذا يعني أن عناصر الطبيعة لم تسعفه أيضا حيث يغيب مشهد الأشجار المتحركة ويتلاشى.. وبعد أن يصف حركات الشبح الأسود ورميه للقبعة والمعطف وكأنه من السحرة المهرة( وهذا التفصيل هنا بالغ الأهمية لأنا سنكتشف في اللقطة الأخيرة أنها ثياب يسينين نفسه ) بعد ذاك يبدأ الكائن الأسود بجولة جديدة للتأثير عليه، وتذكيره بكنهه الشرير، وأن معاناته هذه لرفض ذلك التاريخ هي مجرد حماقة ، وأنه في حقيقة أمره ماكر ودنيء حسب الفضائح التي يركز عليها الشبح الأسود:
ما الذي يبغيهِ بَعدُ
ناعسٌ بالسُكْرِ غرُّ
ربما بالسرِّ أن تأتي إليك
ذاتُ فخذين سمينين فتبدأ
أنت تقرأ
شعرَكَ الميتَ القميء
ولا يتوقف الشبح الأسود بعد أن أحس بسيطرته تتنامى على يسينين، فيذكره بمراحل مبكرة من حياته ،وأنه كان مجرد زير نساء بل وخادعا للفتيات الصغيرات :
..كيفَ معتوهٌ له شعرٌ طويل
حين يحكي لبناتِ المدرسة
للواتي لم تزل في وجهِهن
بعدُ حبّاتُ الشباب
الأقاصيصَ الخبيثة
.. ولهاثُ الجنسِ قد غطّى حديثَه
ويسارع الكائن الأسود بعد أن كف يسينين عن المقاومة، لتقديم صور من الماضي تذكر يسينين أكثر فأكثر بأنه هو الماكر والخبيث مشيرا حتى إلى مسقط رأسه ريزان وكيف كان طفلا في أسرة فلاحية بسيطة ثم :
عاشَ طفلٌ وسْطَ عائلةٍ بسيطة
أسرةٌ فلاحة
أصفرُ الشعرِ تخلَّق
في العيونِ اللونُ أزرق
كبُرَ الآنَ وأمسى شاعرا
وقواه
لم تكن كُبرى ولكنْ حاذقة
ويعيد عليه الشبح الأسود قصة صفقته الوضيعة مع امرأة تكبره كثيرا طمعا بظروف أفضل كضربة قاضية، فهي من أكثر ما يؤرق تاريخه ويفضحه عندها لا يجد يسينين بدا من الانعطاف النهائي، فيثور بوجه الكائن الأسود ويصفه بأنه نذير الشؤم دائما ويهوي بعصاه على الشبح الأسود ويصيبه بين عيونه وتتكشف المأساة ؟؟ أي شبح أسود كان إذن؟؟:
الذي ماتَ الهلال
والشروقُ ازدادَ زرقة
عبرَ نافذتي فمَن؟
آخِ ياليلَ الوسن
أنتَ حطَّمتَ إذن ؟
واقفٌ وحدي على رأسي استطالتْ قُبعة
ليسَ من أحدٍ معي
إنني وحدي هنا
وحطامُ النافذة
يبدو للوهلة الأولى أن هذه القصيدة لا تعدو عن كونها قصة شعرية ممزوجة بالخيال، تعتمد الحوار أساسا لتصاعد حدثها كصراع بين قوة شريرة يمثلها الشبح الأسود وقوة خيرة باهتة يمثلها الرفض الذي يظهره المحاور المفترض لأطروحات وضغوطات الشبخ الأسود، لكنها في الحقيقة أعمق غورا من ذلك بكثير وهي من حيث التصوير الجزئي لا ترقى إلى تكوين الصور لدى بلوك أو ماياكوفسكي وخاصة في مزمار الفقرات التي تحوي اعترافات ووجدا مقاربا ولو نسبيا .لكن قيمة هذا العمل الرائع تكمن في أمرين رئيسيين، وهما أن هذا الحوار والصراع المتصاعد عبره ما هو إلا نقد ذاتي يقترب من المازوخية فالشاعر يبوح بما يعتبره آثاما بصدق وبالتالي تعكس حالة إنسانية إشكالية إلى حد كبير، حتى أن البعض يرى أن قتل الشبح الأسود في انعكاسه على زجاج النافذة هو محاولة لقتل ذاك الشبح في أعماق الشاعر، وربما كان إرهاصا لانتحار يسينين بعد حين كقناعة بان الخلاص لن يتم إلا بهذه الطريقة ، بمعنى تحويل قتل الخيال إلى واقع من خلال قتل صاحب هذا الخيال .إنها مراجعة حسابات بعد فوات الأوان وفي قصيدته "رسالة إلى امرأة" وهي اعتراف ضميري من نوع خاص لزوجته إشارة واضحة إلى أنه ماض بنفسه نحو الانزلاق، فهو لم ينجح في أن يكون أحد أعمدة الثورة، ولم ينجح في أن يكون متميزا في إبداعه كما كان يتمنى ،ولم ينجح في الحب والعلاقات الأسروية، ولم يستطع في الآن نفسه أن يتصالح حتى النهاية مع العبث والمجون والشقاوة ..رغم أن الجميع اليوم تقريبا يتحدثون عن تمايزه ورقته وصدقه وعفويته ..
من خلال هذا التكثيف يمكن ان نفهم لماذا عرض يسينين حالة درامية تبدأ من وضع يشبه الانهيار لروحه ونفسه، حالة يأس وغثيان حتى يكاد يفقد أي حس بأنه إنسان، فآذانه كبرت كجناحين وكادت تطير برأسه الذي نمت له ساقان ، حالة تدفعه لنداء النجدة من صديق وهمي ، كما أن الصراع الذي يدور بين الشخصية الجديدة الطيبة - التي لم تستطع المقاومة سابقا- مع الشخصية الشريرة التي مازالت مسيطرة إنما يتم في أعماق روحه بمعنى أنه يقاتل نفسه مقتربا من حالة الشيزوفرانيا لأن الصراع الحقيقي يتم بين حياة مليئة بالآثام عيشت بالفعل، ورغبة طاهرة في التخلص منها أو صحوة ضمير ليس لها ثقل في ما تطرحه معادلة القصيدة، ومن هنا كانت تعابير الرفض لا ترقى إلى حجم الممارسة، وكان لا بد من موقف حاسم أكبر من جوهر الصراع الشكلي ولوجا نحو جوهر الصراع النفسي والذي انتهى بقتل الشبح في المرآة وأرهص للانتحار في الواقع .. ولننتبه إلى عمق الاحساس بالوحدة واللجوء إلى المناجاة كتأكيد على ضعف سلاح المواجهة مسبقا والإيحاء بأنه ضحية حتى وإن كان خاطئا . الجانب الآخر الذي عول عليه يسينين هو أنه جعل من ماضيه هذا زائرا مرفوضا يوحي بأنه ركله خارج روحه ، لكنه لم يستطع التخلص منه لهذا يظهر له على هيئة الكائن الأسود ( طيلة الليل أمامي لا يدعني لمنامي ) . زد على ذلك أن يسينين لا يستطيع تجاهل ما يتحدث عنه الشبح الأسود :
ما الذي تعنيهِ لي سيرةُ شاعر
وهو شريرٌ مشاكس
قصَّ ما تبغي لغيري عنه – أرجوك- وحدِّث
لكن يسينين نفسه وشبحه الأسود يدركان جيدا أنه يتصنع عدم المبالاة، وأن ادعاءه بأن تاريخ هذا الشاعر لا يعني له شيئا.. مجرد محاولة للهروب إنهما يدركان أنه يعني له الشيء الكثير بل كل شيء، من ها يظهر الضعف والاسترحام _ أرجوك _ . وعندما يبين الشبح أنه يعرف حقيقة مشاعر يسينين من خلال نظراته ينهار يسينين ، فقد كنا نتوقع في إطار التصاعد الدرامي الذي وصل حالة متقدمة في النص أن يثور يسينين على الشبح هنا تحديدا ، لكن أعماق الشعور عند يسينين تسارع لشرح إحساس الشبح الأسود وما كان يود قوله بهذه النظرات كالمثل القائل يكاد المريب أن يقول خذوني .إذن فهو مكشوف تماما أمام الشبح ، وهذا أيضا سر ضعفه من هنا تتحول عناصر الصراع الدرامية إلى حالة أشمل بكثير من قصة عابرة أو مجرد رصد حياة وأسلوب عيش، وتأخذ مدى واسعا يدفع للمقارنة بأهم الأعمال الإبداعية التي تناولت صراعات مقاربة بغض النظر عن اختلاف البواعث وافتراع الشخصيات المخترعة أو انعكاسها عن الواقع، فهناك من يقارن الشبح الأسود بشيطان غوته ميفيستوبل في فاوست، لكننا نرى أن شيطان غوته ينشأ من الوئام لا الخصام كما أنه يمثل عقدا اراديا لا يفرض على فاوست من واقع الحياة، كما أن شبح يسينين يلعب دوره في الماضي وإحيائه في حين يلعب شيطان غوتة دوره في مستقبل ما بعد ظهوره ..وفيما يرى البعض أن الشبح الأسود مستوحى من شخصية بعض الأصدقاء الذين أثروا على حياة ونهج يسينين وخاصة (رازومنيك و كلويف ) يرجح بعض الباحثين أن يكون الإيحاء قد جاء من مسرحية بوشكين موتسارت وساليري حيث يظهر لموتسارت شبح مجلل بالسواد ويحضر له القداس، ونرى تعبيرا قريبا لدى يسينين في قوله ( مثلما يقرأ قداس على جثمان كاهن ) ناهيك عن طبيعة التدخل والمضايقة فهو عند بوشكين (الرجل الأسود ليلا ونهارا لا يمنحني الهدوء) ... وعند يسينين (طيلة الليل أمامي لا يدعني لمنامي) .. ومع ذلك فهي اتكاءات عابرة كما نرى، ونرجح أن هذا الطابع لشبح يسينين الأسود يمكن أن نجده في عملين آخرين وهما صورة دوريان غري لأوسكار وايلد واللوحة لغوغول .. فصورة البطل عند أوسكار وايلد تتشوه في اللوحة نتيجة ممارساته الشريرة حتى تغدو كالشيطان ويتخلص منها بطعنها وتمزيقها .. فتعود اللوحة لبهائها ويموت البطل، وعند يسينين يهشم زجاج النافذة لقتل الشبح الأسود ثم ينهي وجود الشبح الحقيقي الداخلي بالانتحار..أما مع شيطان غوغول في اللوحة فيتقارب رغم شمولية طابع الشيطان عند غوغول من حيث التأثير على الفنان وإغرائه بحياة فاسدة وطريقة عيش ماكرة ... لا بد من الإشارة أخيرا إلى أمر نعتقد أنه بالغ الأهمية وهو أن يسينين متفائل بطبيعته محب للطبيعة والحياة وكل ما يعتبره آثاما وأخطاء هو من هفوات الحياة العادية هفوات عاشها وربما بشكل أخطر أعمق الكثير الكثير من المبدعين ولم تشكل لديهم هذا الشرخ الروحي، بمعنى آخر نعتقد أن مدى صدق وعفوية وطهارة روح يسينين هو الذي دفعه للتأزم ومعاقبة الذات، ناهيك عن أن معظم هذه الخطايا في الواقع قد أثرت عليه وأساءت له أكثر مما أساءت لللآخرين كما لدى بطل أوسكار وايلد .. دوريان غري مثلا..إنها مأساة النقاء الهائل الذي يستيقظ بصحوة ضمير بعد فوات الأوان فيرى عبر منظار روحه الهفوات آثاما والأخطاء التي قد يمارسها الكثيرون هولا بالنسبة إليه وأكرر أخيرا خاصة بعد فوات الأوان وعلى خلفية إحساسه بالخواء والفشل .






التواصل الاجتماعي