أيها الصوف الذهبي ، أين أنت ، أيها الصوف الذهبي ؟
طوال الدرب كانت تضج أمواج البحر الثقيلة ،
بعد أن غادر السفينة ، التي أكلّت وجه البحار ،
عاد اوديسيوس و قد امتلأ بالفضاء و بالزمن .
لفترة طويلة تزيد عن نصف قرن كانت الكتابة عن الشاعرالسوفيتي أوسيب مندلشتام تعتبر من المحرمات في الاتحاد السوفيتي السابق ، مما جعل جيل الشباب السوفيت ، شباب " الاشتراكية المتطورة " ، يجهل تماماً هذا الشاعر المتميز ، الذي كان واحداً من الأصوات القوية في الحركة الشعرية الروسية مع بدايات القرن العشرين ، وذلك إلى جانب رواد الحداثة الشعرية في روسيا من أمثال بلوك ، ماياكوفسكي ، يسينين ، تسفيتاييفا واخماتوفا وغيرهم . وفقط مع انطلاق البيريسترويكا وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي راحت تطبع دواوين أوسيب مندلشتام بحرية وأعيدت الحياة إلى أشعاره .
وإذا كان الظلم والنسيان ، بل التناسي والتغييب، اللذان لفاَّ الشاعر في زمن سيطرة الأدب السوفيتي الرسمي قد أدّيا إلى حجب إبداعه عن المواطن السوفيتي ، فإنه كان من الطبيعي أن يبقى الشاعر مجهولاً بالنسبة للقارئ العربي لأنه كان لا بد أن يظلَّ إبداع الشاعر غائباً عن المكتبة العربية. إذ لطالما كانت حركة الترجمة الأدبية من اللغة الروسية تقتصر على الكتاب والشعراء السوفيت الذين تمنحهم الرقابة السوفيتية الصارمة ” إذناً بالخروج إلى النور" اللهم باستثناء الأدباء الروس الكلاسيكيين .
ولد أوسيب مندلشتام في 3 (15) يناير/ كانون الثاني من عام 1891 في مدينة وارشو . والده إيميل فينيامينوفيتش سليل اليهود الأسبان ـ تلقى تربيته في عائلة أب متسلط ، مما دفعه للهروب من البيت صبياً ، وقد تمكن بجهوده الذاتية من التعرف على الثقافة الأوروبية ـ غوته ،شيلر ، شكسبير . كان يتكلم الألمانية والروسية بشكل سيئ . وبسبب طبعه الحاد لم يكن ناجحاً في عمله التجاري بنفس درجة فشله في المنزل كفيلسوف ” ذاتي التعليم ” . والدته فلورا أوسيبوفنا ، و كنيتها قبل الزواج فيربلوفسكايا ، كانت سليلة عائلة مثقفــة ـ كانت تجيد العزف على البيانو ، كما كانت تحب بوشـكين و ليـرمنتوف ، تورغينيف ودوستويفسكي. وهي من أقرباء فيلينغيروف المؤرخ المعروف للأدب الروسي. كان أوسيب هو الأكبر بين أخوته الثلاثة. بعد ولادة أوسيب بفترة قصيرة انتقلت العائلة للعيش في بلدة بافلوفسك بالقرب من بطرسبورغ. ومنذ عام 1897 ـ في بطرسبورغ نفسها . في عام 1900 انتسب أوسيب مندلشتام إلى مدرسة خاصة ، حيث كان لمدرس قواعد اللغة الروسية ف . غيبيوس تأثير كبير على تبلور الشاعر. وخلال دراسته بدأ أوسيب بنظم الشعر. وفي نفس الوقت ظهر اهتمامه بأفكار الحركة الثورية الشعبية في روسيا. لذلك قام الأهل ، فوراً بعد إنهائه للمدرسة الابتدائية - وقد أقلقهم النشاط السياسي لأبنهم - بإرسال أوسيب للدراسة في جامعة السوربون في باريس. وهنا في فرنسا اكتشف مندلشتام بنفسه أشعار فايون و أدب بودلير و فيرلين .. وغيرهم . وهناك أيضا تعرف إلى نيكولاي غوميليـوف . وراح يكتب الشعر ويحاول النثر أيضا . وفي عام 1909 – 1910 تلقى مندلشتام دروساً في الفلسفة وعلوم النحو في جامعة هايدلبيرغ في ألمانيا. كما كان في نفس الفترة يزور في بطرسبورغ اجتماعات اللجنة الدينية ـ الفلسفية ، والتي كـان من بين أعضائهـا مفـكرون وأدبـاء بارزون جـداً من أمثـال ن . بيردياييف ، د. ميريجكوفسكي ، فتشيسلاف إيفانوف. وفي ذلك الوقت اقترب مندلشتام من الوسط الأدبي
في عام 1913 تمت طباعة أول ديوان شعري لمندلشتام تحت عنوان " الصخرة ". في تلك الفترة كان الشاعر قد ابتعد عن الرمزية واعتنق مذهب الكمالية (الاكميزمية) كما راحت تُطبع أشعاره بكثرة في مجلة " أبولو " . حاز الشاعر على الشهرة. و في عام 1914 ، بعد تطوع غوميليوف وذهابه إلى جبهة القتال ، تم انتخاب مندلشتام رئيسا لـ " ورشة الشعراء " . في كانون الأول من عام 1915 قام مندلشتام بنشر الطبعة الثانية من ديوانه " الصخرة " ـ وقد كانت الطبعة الثانية اكبر بحوالي ثلاث مرات من الأولى . في بداية عام 1916 جاءت مارينا تسفيتاييفا إلى بطرسبورغ . التقت هناك في أمسية أدبية بمجموعة من الشعراء .. ومنذ تلك الأمسية " غير الرسمية " بدأت صداقتها مع مندلشتام ، والتي تم تتويجها بمجموعة من القصائد التي تبادلها الشاعران مع بعضهما البعض . بعد الثورة عمل مندلشتام موظفا عاديا في مختلف الدوائر الرسمية في بطرسبورغ . ومع بداية عام 1918 غادر إلى موسكو . ليترك موسكو الجائعة في شباط من عام 1919 وليبدأ حياة التشرد في أنحاء روسيا : موسكو ، كييف ، فيوديسيا .
في أيار من عام 1919 وفي مقهى " سَقْط المتاع " في كييف تعرف مندلشتام إلى ناديجدا أخازينا ذات العشرين عاما والتي ستصبح زوجته في عام 1922 . وبعد سلسلة من المغامرات بما في ذلك السجن لدى قوات فرانغل ، عاد مندلشتام إلى بطرسبورغ في خريف 1920. وقضت عائلة مندلشتام صيف وخريف عام1921 في جورجيا. حيث وصلهم نبأ وفاة الشاعر الكسندر بلوك. ومن ثم نبأ إعدام الشاعر نيقولاي غوميليوف. خلال عامي 1922– 1923 نشر مندلشتام ثلاثة دواوين شعرية : "tristia" عام 1922، " الكتاب الثاني " عام 1923 والطبعة الثالثة من " الصخرة " عام 1923. طبعت أعماله في موسكو وبطرسبورغ وبرلين. فقد كتب مندلشتام في تلك الفترة سلسلة مقالات حول قضايا راهنة في حقل الثقافة والتاريخ والأنسنة : " الكلمة والثقافة " ، " حول طبيعة الكلمة " ، و كذلك " قمح البشرية "… و غيرها.
في عام 1924 انتقل مندلشتام من موسكو إلى لينينغراد . وفي عام 1925 نشر مندلشتام كتاب سيرته الذاتية بعنوان " صخب الزمن " . وفي عام 1928 صدر آخر ديوان شعري لمندلشتام خلال حياته " أشعار" ، وبعده بقليل ـ مجلد ضم مقالات " حول الشعر " و قصة طويلة بعنوان " علامة مصرية " .. قضت عائلة مندلشتام الجزء الأكبر من عام 1930 في أرمينيا . ونتيجة لتلك الرحلة كانت المقالة النثرية "رحلة في أرمينيا " وسلسلة أشعار " أرمينيا ". وفي نهاية عام 1930 عاد مندلشتام إلى لينينغراد . في كانون الثاني من عام 1931 وبسبب مشاكل السكن غادرت عائلة مندلشتام إلى موسكو. وهناك منح مندلشتام راتبا شهرياً قدره 200 روبل مدى الحياة "لقاء خدماته تجاه الأدب الروسي " . كتب مندلشتام في موسكو الكثير : بالإضافة إلى الشعر عمل على إنجاز دراسته " حديث عن دانتي ". لكن اصبح من الصعب عليه طباعة أعماله . و بسبب نشر الجزء الأخير من " رحلة في أرمينيا "في جريدة "النجمة "اللينينغرادية تم إعفاء المحرر فولبيه Volpeih من مهامه . في عام 1933 حضر مندلشتام إلى لينينغراد حيث أقام أمسيتين شعريتين . وفي نفس العام أقام أمسية شعرية في موسكو في قاعة المتحف التكنولوجي . في أيار عام 1934 تم اعتقال مندلشتام . وحكم عليه بالنفي ثلاث سنوات إلى قرية شيردين النائية . لكن بعد توسط اخماتوفا وباسترناك تم استبدال شيردين بمدينة فورونيج القريبة نسبيا . بعد النفي لم يعد يُسمح لعائلة مندلشتام بالعيش في موسكو أو لينينغراد . مما اضطرهم للتسكع في ضواحي موسكو. اعتقل آخر مرة في 2 أيار من عام 1938 . وحسب الإعلان الرسمي توفي في 27 كانون الأول من نفس العام 1938 وذلك في معسكر الاعتقال قرب فلاديفستوك في الشرق الأقصى ( وهنا في مدينة فلاديفستوك اقيم تمثال للشاعر منذ بضع سنوات فقط ـ المترجم ) .
هنا أورد ترجمة لمقتطفات من أشعار مندلشتام .
(1)
إلى مارينا تسفيتاييفا
بلغز القيامة دون أن نؤمن ،
كنا نتمشى بين القبور .
ـ أتعلمين ، الأرض في كل مكان
تذكرني بتلك التلال .
……………….
…………………
حيث تنتهي روسيا
فوق بحر قاتم وأصم .
عند سفوح الأديرة
ينطلق مرج فسيح.
لم تكن لي في الجنوب رغبة ،
بعيداً عن سهول فلاديمير.
لكن أن أبقى في هذه القرية
الخشبية ، الغريبة و المُعتمة ،
مع راهبة من ضباب
يعني ستكون مصيبة .
أقُبّل الذراع المُلوَّح من الشمس ،
و بعضاً من الجبين الشاحب .
أعرف ـ لقد ظلَّ ابيض
خلف خصلة ذهبية سمراء .
أقبّل اليد ، حيث تحت السوار
يوجد شريط أبيض .
لأن صيف ” تفريد ” الحارق
يصنع هكذا عجائب .
كم سريعاً أصبحتِ سمراء ،
والى المخلِّص المُعذَّّب أتيتِ
ورحت تلثمينه بلا توقف ،
بينما في موسكو عزيزةً كنتِ .
لنا بقي الاسم فقط :
صوت سحري ، لوقت طويل .
فهيا التقطي الرمل
الذي تذروه يداي .
1916
قصيدة بدون عنوان
أين لي المفر في كانون الثاني هذا ؟
فالمدينة المفتوحة خانقة بشكل سخيف .
أأنا ، يا ترى ، سكران من الأبواب الموصدة ؟
وبي رغبة الصراخ من الأقفال والسياجات ؟
..
وفي حفرة ، في ظلمة مدببة
انزلق إلى هاوية السخافة
ومتعثراً ، التهم الهواء الميت ،
وتطير اللقالق وهي ُمباغتة .
أتأوه خلفها ، وأصرخ ـ
في صندوق خشبي متجمد :
ـ أمِن قارئ ! ناصح ! طبيب!
من أجل الحديث على سلّم شائك .
كانون الثاني ـ 1 شباط 1937
(2)
بلاد الحجارة المُولوِلة –
أرمينيا ، أرمينيا !
يا مَن تنادين الجبال المبحوحة إلى السلاح –
أرمينيا ، أرمينيا !
يا مَن تطيرين إلى أبواق آسيا الفضية دائماً -
أرمينيا ، أرمينيا !
يا مَن تَهبين أموال الشمس الفارسية بسخاء –
أرمينيا ، أرمينيا !
تنويه : سبق وتم نشر هذه المادة في الملحق الثقافي لجريدة السفير اللبنانية بتاريخ 21 / 10 / 2005 بعنوان " قبر مجهول في معسكر اعتقال "






التواصل الاجتماعي