RUS ENG ESP بانوراما09.02.201209:35
04.09.200914:26

نيقولاي غوميليوف آخر الفرسان الشعراء والشعراء الفرسان

نيقولاي غوميليوف آخر الفرسان الشعراء  والشعراء الفرسان
نيقولاي غوميليوف آخر الفرسان الشعراء والشعراء الفرسان

نيقولاي غوميليوف (1886-1921) هو شاعر روسي رغم انه عاش السنوات الاربع الاخيرة من حياته في الحقبة السوفيتية  ولم يشارك في  قيمها الروحية بل واجهها دون خوف. يعتبر  نيقولاي غوميليوف الشاعر الكبير الوحيد في سلسلة  شعراء "العهد الفضي" للشعر الروسي الذي اعدم بقرار  محكمة بلشفية. اما الآخرون   فدفعهم النظام السوفيتي  الى الانتحار  مثل سيرغي يسينين  وفلاديمير ماياكوفسكي ومارينا  تسفيتايفا او  الموت في السجن مثل كليويف وأوسيب مندلشتام او فارقوا الحياة قبل الاوان  متأثرين بالعذاب الجسدى والروحي مثل الكسندر بلوك وفيليمير خليبنيكوف وخوداسيفيتش. لكن نيقولاي غوميليوف لقي حتفه على ايدي عناصر المخابرات البلشفية محتفظا بشرفه كضابط  عزيز النفس  لم يخن القسم  الذي اداه للقيصر، الامر الذي حير حتى رجال المخابرات الذين نفذوا فيه حكم الاعدام  والذين قالوا عنه: "من المؤسف انه ربط نفسه بمعسكر المعارضة. لو كان قد انتقل الى جانبنا لافتخرنا به كبطل."

ولد نيقولاي غوميليوف بمدينة كرونشتات بضواحي بطرسبورغ في عائلة طبيب بحري وامضى طفولته في  بلدة تسارسكويه سيلو قرب   بطرسبورغ. ثم انتقلت عائلته الى مدينة تبليسي في جورجيا ، وعادت الى بطرسبورغ. فتشبع  نيقولاي غوميليوف منذ نعومة اظفاره بالانطباعات عن قدرة الامبراطورية  وبسالة جيشها. ولاحظ  اهله ميله المبكر الى التآلف مع الظواهر والاشياء الغريبة غير المعهودة والى المغامرات، الامر الذي أثر لاحقا على ابداعه الشعري وانعكس في أول ديوان  له اصدره على نفقته الخاصة عام 1905 واطلق عليه تسمية " درب الكونكستدور". لم يظهر  على الشاعر الشاب اهتمامً  بالمواد الدراسية خلال تعلمه في المدرسة الثانوية التي كان مديرا فيها إينوكينتي آنينسكى  الشاعر البارز للعهد الفضي. الا انه ركز على مطالعة كتب المغامرات. فغادر بعد التخرج  في  المدرسة الثانوية بطرسبورغ متوجها الى باريس حيث امضى سنتين وتقرب من  الشعراء والفنانين الفرنسيين الطليعيين الشباب . كما حاول اصدار مجلة ادبية في فرنسا.

 

عاد نيقولاي غوميليوف عام 1908 الى روسيا حيث رسخ أقدامه كشاعر وناقد  يعتد به. وانغمس في اجواء المذاهب الطليعية التي انتشرت في المحيط الشعري الروسي آنذاك. ومما يميز نيقولاي غوميليوف  وفاؤه لما تأثر به من المبادئ والمثل العليا في أيام صباه. وإذ أدى اليمين لقيصره فانه لن يحنث به في زمان البلاشفة. واذ تطوع للخدمة العسكرية فانه كان يصعد الى المتاريس ليطلق  رصاصته في مواجهة مباشرة مع العدو. وكان يلقي محاضرات في عهد البلاشفة  على شعراء الثقافة البروليتارية السوفيت مؤكدا فيها على موالاته لحكم القيصر.  وقد ذكر نيقولاي غوميليوف في مقطوعة شعرية له  تصف فيه لقاءه مع حاكم حبشي  دون ان يخاف الاشارة الى شخصية القيصر الروسي قائلا :

 

"اهديته مسدسا بلجيكيا"
وصورة تذكارية لعاهلي".

 

ويقول اصدقاؤه انه ظل مدى حياته وكأنه  فتى لم يتجاوز  الثالثة عشرة من عمره.
ولم يقتصر الشاعر  على قوله:

 

"فليكمن الشاب ليلا في أحد الكهوف  ..
ويواجه فهدا ضاريا
وحدقتيه المرعبتين.."

 

بل وذهب  الى افريقيا  ليصطاد فهدا حقيقيا  ويجلبه الى بطرسبورغ.

 

عاش الشاعر منذ أعوام  الصبا والشباب  في عالم خيالي مغاير يقطنه  ابطاله المحبوبون  وضمنهم هنيبعل والسندباد والهولندي الطيار والامير السنغالى. وتجتذبه سواحل زنجبار والجزائر وتونس. ويقول النقاد انه كان  يتفادى قصدا وصف الواقع الروسي ليجد مثله في الواقع الخيالي الغريب. وتدل على ذلك  عناوين دواوينه الشعرية "الورود الرومانسية" عام 1908  و"اللؤلؤ" عام 1910  و" السماء الغريبة" عام 1912 . و"الكِنانة" عام 1914 . وقام الشاعر كل مرة بعد اصدار ديوان جديد برحلة بعيدة الى كل من مصر وبلاد الحبشة  والصومال حيث درس عادات وتقاليد القبائل الافريقية وحياتهم اليومية. اما مجموعات التحف  التي جلبها الى بطرسبورغ فسلمها الى متحف الانتروبولوجيا والاثنولوجيا.

 

ينفذ ضوء شمسي ، ضوء باطني لامع كل قصيدة وفي جميع مراحل ابداع الشاعر. لكن هذا الضوء ليس بضوء جامع - كما هو الامر لدى الشعراء الاخرين – بل هو نور  يفتت ويتفتت الى شرارات باردة. وكتب الشاعر في قصيدته المشهورة "  الربابنة":

 

"يصعد ربانٌ
الى برجٍ متموجٍ
مستذكرا مرفأ بعيدا
فيضرب أعلى جزمتِهْ
 بعصاه
لتتطاير شظايا الرغوةِ

 

ويسحب مسدسا
حين يكشف تمردا

 

على متن السفينةِ
ليتساقط ذهب الزخرفةِ
من أكمامه الورديةِ".

 

ولا نكشف  في القصيدة  صورة كريستوف كولومبس  او فاسكو دي جاما مثلا فحسب بل وصورة المعمورة المتمردة المتفتتة بضربات القدر.

 

ويعارض الكون اللهبي لدى غوميليوف رمزية الكسندر بلوك. ونشهد لديه تمرد الدقة على الغموض. ويقول غوميليوف نفسه  ان الرمزية تقضي بان يقول شخص ما ، في زمن ما،  شيئا ما، الامر الذي لا يرضيه، اذ انه يصر على ان تطلق اسماء دقيقة على أشياء دقيقة كما فعل ذلك  آدم اول انسان على الارض . فاقترح غوميليوف بأن يسمى المذهب الشعري الجديد المعارض للمذهبين الرمزي والمستقبلي  بـ الآدمية او المذهب الآدمي. الا ان زملاءه  في ورشة الشعر  لم يوافقوا على ذلك واقروا تسمية" ألاكميزمية" التي تعني "وقت الازدهار" والتي طرحها سيرغي غوروديتسكي ، فيما بقي غوميليوف منظرا وقائدا للمدرسة الشعرية الجديدة. وقام غوميليوف بوضع نظرية خاصة بالمذهب الاكميزمي في مقالات كان ينشرها  بشكل منتظم في الفترة ما بين عام 1909 وعام 1917 في مجلة "ابولو" الروسية. وجمع اصدقاؤه بعد اعدامه بالرصاص تلك المقالات فاصدروها في كتاب واحد حيث اتضح ان المذهب الاكميزمي  الذي  كان من انصاره الى جانب غوميليوف كل من الشعراء اخماتوفا وماندلشتام وغوروديتسكي كان ظاهرة فريدة من نوعها في تاريخ العهد الذهبي الشعري الروسي.

 

ينظر الشاعر بلوك وغوميليوف الى العالم نظرة مغايرة. فيشكل العالم من وجهة نظر بلوك جملة متكاملة ، اما غوميليوف فيشاهد اجزاء منه. ينظر غوميليوف  الى  شعر بلوك كأنه سراب وجنون لاهوتي منظوم. فيما يرى بلوك في شعر غوميليوف شيئا ملتهبا خاليا من  أي مضمون احيانا.
وينطلق يأس غوميليوف من استحالة الايمان بسراب، لكونه جنوناً لا يشكل شيئا جذابا  ، بل ويستحق العقاب :

 

" سينحدر منشء برجٍ
فما أروع انهيار الاعاليََ
ويلعن جنون مَرَجٍ
في أسفل بئر الدنيا .."

 

واشار الكاتب الروسي الشهير الكسندر سولجينيتسين الى شعر غوميليوف هذا قائلا ان اليأس هو جهة معاكسة للايمان. وفي حقيقة الامر فان شعراء العهد الفضي جميعهم مقتنعون بوجود عوالمهم الخيالية السماوية  مثل كلوييف الذي يؤمن بعالم عزبة فلاح، وماياكوفسكي الذي يؤمن بعالم تعاونية شيوعية ، ويسينين الذي يؤمن بكون روسي اصيل. فيما لا يعترف غوميليوف بالعالم الواقعي لانه ينتظر منه الكمال المثالي ويتمنى بناء عمارة تحيطها الرمال شأنها شأن الذهب المتطاير. ويعد عالم غوميليوف صلبا وهشا في آن واحد.

نيقولاي غوميليوف وآنا اخماتوفا وابنهما ليف


ثمة موضوع آخر يمر بابداع غوميليوف كله وهو الحب ومواجهة  حبيبته:

 

"تبدو بوادر الضحى
 في جنتي الباردةِ،
ملذتي،
لا تبكي عزيزتي
يُخيل لي
انكِ سممتِني.. "

 

تزوج نيقولاي غوميليوف في عام 1910 آنا غورينكو المعروفة بـ آنا اخماتوفا (1889 – 1966) الشاعرة الروسية المشهورة والعضوة في المدرسة الشعرية الاكميزمية التي أسسها غوميليوف. وانجبت انا اخماتوفا منه عام 1912 طفلا اطلق عليه اسم ليف غوميليوف الذي يصبح فيما بعد عالما روسيا كبيرا وواحدا من مؤسسي المذهب الاوراسي في روسيا.

 

تطوع نيقولاي غوميليوف عام 1914 ليخدم في الجيش الروسي ويحارب الالمان خلافا لمعظم شعراء زمانه الذين  فضلو كتابة اشعار وطنية عن الذهاب لجبهة الحرب . وتم تكريمه عام 1915 بوسام القديس جورجيوس من الدرجة الثالثة لقاء بطولاته التي ابداها في الجبهة الروسية الالمانية. وفي عام 1917  خدم غوميليوف مرافقا لدى مفوض الحكومة الروسية المؤقتة في باريس فاحب الفرنسية ايلينا دي بوشي وكرس لها ديوانه الشعري " صوب نجم ازرق" الذي يعد  ذروة شعر غوميليوف الوجداني.

 

تم اعتقال نيقولاي غوميليوف يوم 3 اغسطس/آب عام 1921 . فوجهت اليه تهمة بالمشاركة في المؤامرة ضد الحكم البلشفيالجديد ، واصدرت محكمة بطرسبورغ قرارا باعدامه. ولا يعرف أحد حتى الان مكان وموعد تنفيذ هذا الحكم.

 

أثر ابداع غوميليوف تأثيرا كبيرا ولو غير معروف على شعراء الحقبة السوفيتية الذين اعتبره قسم منهم - وبينهم غيورغي ايفانوف ونيقولاي تيخونوف وايرينا اودويفتسيفا وغيرهم - اعتبروا قدوة لاداء الواجب والوفاء للقسم  . كما يعد  غوميليوف في المحيط الشعري آخر فارس بين الشعراء وآخر شاعر بين الفرسان. وجدير بالذكر ان نيقولاي غوميليوف اعتبر في زمان  السلطة السوفيتية شاعرا محظورا .

 

إعداد وترجمة :   يفغيني دياكونوف
 

 

يمكنكم قراءة معلومات عن آنا اخماتوفا

 

و ليف غوميلوف

 

print favorite rss
الكلمات الدليلية المستخدمة: الأدب الروسيالكلمات الدليلية

تعليقات Facebook