أوضح الرئيس الروسي دميتري مدفيديف في رسالته الى نظيره الاوكراني فكتور يوشينكو سبب رفضه زيارة اوكرانيا ، مشيرا الى ان موقف كييف في عدد من القضايا التاريخية موجه نحو الفصل بين شعبي روسيا واوكرانيا.
نورد أدناه مقتطفات من الرسالة التي بعث بها الرئيس مدفيديف الى الرئيس الاوكراني فكتور يوشينكو :
لقد اتضح لنا ان موضوع التجويع الجماعي لبعض مناطق اوكرانيا (في مطلع الثلاثينات من القرن العشرين) تحول في السنوات الاخيرة الى احد العناصر الرئيسية في السياسة الخارجية الاوكرانية ، وذلك الى جانب جهود متكررة تبذلها اوكرانيا للحصول على الدعوة الى الالتحاق بالدورة الاعدادية للدخول الى الناتو. كما لاحظنا عزم جزء من النخبة السياسية والقيادة الاوكرانيتين على استخدام هذه القضية والموقف منها بمثابة "اختبار النزعة الوطنية والموالاة للسلطة".
انكم تدعون في رسائلكم الى جعل التاريخ خاليا من الرواسب الايديولوجية . وانا بالطبع اشارككم في هذا الموقف ، غير انني اقترح بان تتخذوا موقفا نزيها ومنصفا ومنطقيا وغير مسيس من التراث التاريخي.
وجدت نفسي مضطرا الى تذكر ان المأساة التي وقعت في اوائل الثلاثينات يستعان بها في اوكرانيا ، حسب اعتقادنا، بغية بلوغ أهداف سياسية يمكن الاستفادة منها في هذه اللحظة او تلك. وبهذا الصدد تشاع بشكل دؤوب فكرة التجويع المتعمد والابادة الجماعية للاوكرانيين. ونتيجة هذه الجهود وجهودكم الشخصية ضمنا تصدر قوانين تثبت نهجا سياسيا كهذا. وأقصد بصورة خاصة القانون الذي صادقت عليه الرادا العليا في 28 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2006 والذي جاء فيه ان "التجويع" في عامي 1932-1933 يعتبر ابادة جماعية للشعب الاوكراني. وأود ان أذكر هنا مبادرتكم في أنه يتحمل المسؤولية الجنائية كل من ينكر فرضية تصور الاحداث التي وقعت في تلك الفترة والتي يشير اليها القانون. اذن يتم فرض صيغة الماضي بمنظور واحد دون ان ينتظر نتائج دراسة المسألة من قبل خبراء مختصين في شتى نواحيها . اما الاشخاص غير الموافقين على هذه الفرضية فيتعرضون للملاحقة ، كما هو الحال في الماضي الشمولي . واذا اتبعنا هذا المنطق فان اي مواطن اوكراني يؤكد انه هلك في هذه الفترة من الجوع الى جانب الاوكرانيين الروس والكازاخيون والبيلوروس يرتكب جريمة جنائية من وجهة نظركم.
أيمكن ان تبرر مثل هذه الخطوات بالسعي الى استعادة العدالة التاريخية واحياء ذكرى الشهداء ؟ - كلا ، تبذل هذه الجهود بهدف الفصل بين شعبينا اللذين تربطهما على مدى قرون علاقات تاريخية وثقافية ودينية ومشاعر صداقة وثقة متبادلة.
مما لا شك فيه ان صفحات محزنة من تاريخنا تحتاج الى وعيها من شتى النواحي. ولا يمكن ان يحقق ذلك الا على اساس الدراسات الموضوعية والمحترفة. الا اننا نرى ان اولئك الذين يطرحون قضية "التجويع" والابادة الجماعية" لا تهمهم الدقة العلمية حيث يلجأون إلى تزوير وتزييف الوقائع بخصوص عدد الضحايا. اما التصريحات العلنية لممثلي قيادة بلادكم فما هي الا مساهمة متعمدة في رسم صورة مشوهة لما حدث. وعلى سبيل المثال فقد قلتم في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2007 نقلا عن المعطيات احصاء السكان لعامي 1929 و1979 ان الاوكرانيين هم امة وحيدة تقلص عددها في هذه الفترة من 81 مليون نسمة حتى 42 مليون نسمة ، وذلك في الوقت الذي تدل نتائج الاحصاء الذي اجرى في الاتحاد السوفيتي ليس في عام 1929 كما تقولون ،بل في عام 1926 ، تدل على ان عدد الاوكرانيين وضمنهم ابناء المقاطعات الغربية كان قد بلغ آنذاك 30 مليون نسمة.
اننا لا نخشى نقاشات مفتوحة ولا نحمل العلماء على ان يستخرجوا باستنتاجات سياسية . ويعتبر موضوع مجاعةعامي 1932-1933 في بلادنا مسألة يمكن مناقشتها بشكل حر الى جانب غيرها من المسائل التاريخية غير البسيطة. ولا يخاف أحد ان يطلق عليه لقب "عدو الامة". وتم القضاء منذ زمن بعيد في روسيا على ستار الصمت الحديدي الذى تذكرونه .
إن المجاعات التي شهدها الاتحاد السوفيتي في عامي 1932-1933 لم تكن موجهة عمداً الى إبادة ممثلي قوميات معينة وإنما نجم ذلك عن موسم قحط وجفاف وتأميم الممتلكات والتشكيل القسري للتعاونيات في القطاع الزراعي لا في اوكرانيا وحدها فحسب بل في عموم الاتحاد السوفيتي.
وقد هلك ملايين من أبناء مناطق الفولغا الوسطى والسفلى وشمال القوقاز ووسط روسيا والاورال الجنوبي وسيبيريا الغربية وكازاخستان وبيلوروسيا.
اننا لا نبرر سياسة الاضطهاد والتنكيل التي كان يمارسها نظام ستالين ضد الشعب السوفيتي كله. غير ان الاعتقاد بان هناك تعمداً بابادة الاوكرانيين يعني مخالفة الحقائق ومحاولة لجعل المأساة تكتسب صبغة عنصرية.
واذا كان احد يعتقد انه ثمة اختلافات نوعية بين الجوع في أوكرانيا والجوع في روسيا وغيرها من مناطق الاتحاد السوفيتي ، فاننا نرى ان هذا الاعتقاد عديم الاخلاق .
اود ان اذكر ان القيادة المتعددة القوميات في الاتحاد السوفيتي والجمهوريات الاتحادية هي التي اتخذت قرارا بتأميم وسائل الانتاج الزراعي وإنشاء التعاونيات قسرا. اما سياسة مصادرة الحبوب وغيرها من المواد الغذائية فانتهجتها في معظم الاحوال الكوادر الاوكرانية الوطنية الذين لم يقتصروا على تنفيذ الخطط المقترحة لهم من موسكو بل وطرحوا علاوة على ذلك خططا اضافية تقضي ايضاً باضطهاد اخوتهم الاوكرانيين.
وتتطلب الحقيقة التاريخية منا ان نتخذ مواقف مسؤولة . اما محاولات اللجوء الى عوامل قومية فهي غير عادلة إزاء ذكرى الضحايا ، ناهيك عن الاساس القانوني المشكوك فيه بالنسبة لاستنتاجات كهذه.
اما فيما يتعلق بالخطوات التي قد اتخذها الطرف الاوكراني في المنظمات الدولية بغية " الكشف عن طبيعة الجرائم وادانتها" ، فاود ان اشير الى ان هيئة الامم المتحدة ومنظمة "اليونسكو" الدولية قد أبدتا رأيهما في هذا الموضوع. وقد بجل المؤتمر العام لليونسكو في عام 2007 ذكرى ملايين الضحايا الذين هلكوا من مجاعة الثلاثينات للقرن العشرين بغض النظر عن قومياتهم ، الا انه رفض وصف المأساة بانها ابادة جماعية للشعب الاوكراني. واتخذ معظم الدول الاعضاء في رابطة الدول المستقلة بما فيها روسيا واوكرانيا الى جانب الدول الاخرى في الدورة الثامنة والخمسين للجمعية العامة للامم المتحدة بيانا مشتركا اعربت فيه عن تعاطفها العميق مع ملايين الروس والاوكرانيين والكازاخيين وممثلي الشعوب الاخرى الذين اضحوا ضحايا لتلك المجاعة . واطلقت في هذا البيان على أحداث الثلاثينات تسمية المأساة . واظن ان مناقشة هذا الموضوع في المنظمات الدولية لن تسفر عن نتيجة ولا فائدة.
لذلك فكما ذكرت يتعين علينا التركيز على تعديل هذا الاعوجاج الخطير في تسليط الضوء على هذه المسألة ، حين يتم غض النظر عن معاناة الشعوب الاخرى في الاتحاد السوفيتي السابق تحت شعار "ادانة الابادة الجماعية للاوكرانيين".
واقترح البدء في العمل على تشكيل مواقف مشتركة من هذه الاحداث. ومن المستحسن ان يشترك في هذا العمل خبراء من كازاخستان وبيلوروسيا وغيرهما من الدول المعنية في رابطة الدول المستقلة.
اما الآن فآخذا بالحسبان منطلقاتي آنفة الذكر لا اعتبر انه من الممكن مشاركتي في فعاليات ذكرى مرور 75 سنة على " التجويع".
ومن جانبي اريد ان أؤكد عزمي على خلق جو تعاون ايجابي في مجال الشؤون الانسانية يرافقه نشاط لمصلحة المواطنين ولخير علاقات الصداقة بين بلدينا وشعبينا.
نبذة تاريخية عن "التجويع"
"غولودومور" هو المصطلح الاوكراني الذي يعنى التجويع الجماعي حتى الموت ، ويستعمل لوصف الاحداث التي وقعت في اوائل الثلاثينات من القرن العشرين.
لقد حصل في عام 1931 الجدب والجفاف وقلة المحصول في سيببيريا الغربية وكازاخستان والاورال ومنطقتي الفولغا الوسطى والسفلى مما ادى الى تقليص موارد الحبوب في للبلاد الى حد خطير. وتحولت الاوضاع في مجال الزراعة الى كارثة نتيجة السياسة غير الحكيمة التي كانت تنتهجها قيادة البلاد ، ناهيك عن تصدير محصول الحبوب الى الخارج في عام 1931 . وشهدت الزراعة في عام 1932 انخفاضا في مستوى الانتاج الزراعي وبالدرجة الاولى في المناطق المنتجة للحبوب ، وبينها اوكرانيا ومنطقة كوبان. وكانت البلاد تواجه في بداية خريف عام 1932مصاعب بالغة في تزويد اهالي المدن بمواد غذائية. وحتى مدينتي موسكو ولينينغراد وبعض المناطق العسكرية كانت تعاني في اوائل ربيع عام 1933من حالات انقطاع في تزويدها بالمواد الغذائية. وعم الجوع سيبيريا الغربية ومنطقة الاورال ومنطقتي الفولغا الوسطى والسفلى وسط روسيا. الا ان الاوضاع في اوكرانيا وشمال القوقاز وكازاخستان غدت اكثر إحراجا. وبالرغم من المعونات الانسانية التي قدمت للاتحاد السوفيتي في النصف الاول لعام 1933 بحجم 1.1 مليون طن من الحبوب ، بما في ذلك 576400 طن قدمت لاوكرانيا فان هذه الجمهورية السوفيتية شغلت مكانة الصدارة في الاتحاد السوفيتي من حيث نسبة الوفيات في عام 1933 . وكانت قد سبقتها جمهورية كازاخستان من حيث هذا المؤشر الخطير. ويجمع علماء التاريخ الذين اجروا الدراسات العلمية في هذا الموضوع على ان سبب الجوع هو نقص المواد الغذائية في اوساط عدد بالغ من السكان. اما الاستنتاجات الاخرى فيختلف العلماء حولها. ويشير العلماء الاوكرانيون الى الابادة الجماعية المتعمدة للشعب الاوكراني. غير ان العلماء الروس يركزون على ان المجاعة حدثت من جراء السياسة غير الحكيمة التي كانت تمارسها السلطات السوفيتية آنذاك، بالاضافة الى التقلبات المناخية المدمرة ، مما أثر على اراضي البلاد كلها وبالدرجة الاولى الاراضي الزراعية.
14.11.2008
14:22
لماذا رفض مدفيديف زيارة كييف ؟ (نبذة تاريخية عن "التجويع")
لماذا رفض مدفيديف زيارة كييف ؟ (نبذة تاريخية عن "التجويع")
تعليقات Facebook
الرجاء قراءة شروط استخدام خدمة التعليقات بواسطة الفيسبوك على موقع قناة "روسيا اليوم" قبل كتابة التعليق




التواصل الاجتماعي