خص اينوكينتي ادياسوف عضو مجلس التحليل والخبرات التابع للجنة الدوما الخاصة برابطة الدول المستقلة وكالة نوفستي للانباء بقوله اذا حاولنا التنبؤ بسياسة الرئيس الاوكراني الجديد علينا ان نأخذ بنظر الاعتبار ثلاثة عوامل ستؤثر بشكل اساسي على تشكيلة السلطة الاوكرانية القادمة.
اولا – اوكرانيا في وضع تعجز فيه عن تسديد القروض المستحقة. وحسب قول الرئيس يوشينكو لئن كانت الديون الخارجية في عام 2008 تعادل 80 مليار غريفنا ( حوالي 16 مليار دولار ) فانه في نهاية عام 2009 وصلت الى 35 مليار دولار اي ان كل مواطن اوكراني مدين بمبلغ 750 دولارا. والامل في الحصول على قرض بمقدار 3.5 مليار دولار من صندوق النقد الدولي يعادل الصفر. وعمليا اعلن ممثلوا صندوق النقد الدولي عن عدم ثقتهم بالسياسة الاقتصادية للحكومة الاوكرانية الحالية.
ثانيا – كان وهما انضمام اوكرانيا بسرعة الى حلف الناتو والمؤسسات الاوروبية الاخرى مع الاسراع في "اوكرنة " كل شئ قسرا. كل هذه الاتجاهات حصلت بالذات في عهد يوشينكو واصبحت الف باء الامور التي حاولت السلطات الاوكرانية من خلالها تشكيل اوكرانيا عصرية . وبدلا من ذلك تجري العودة الى القيم السوفيتية بشكل عفوي ( التي ينظر لها ولو بدون ادراك كقيم عامة للفضاء الاوراسي ) ليس فقط في شرق وجنوب اوكرانيا بل وفي وسط البلاد ايضا.
ثالثا – تنطلق كل الصفوة الاوكرانية من ان تشكيلة السلطة المقبلة في البلاد يجب ان تكون حدا وسطا بين جماعة دونيتسك وجماعة دنيبروبيتروفسك. ان كل تاريخ اوكرانيا منذ استقلالها عام 1991 تحدد بهذا الشكل او ذاك بالعلاقة بين هذين المركزين للسلطة. وليس غريبا ان المرشحين الاساسيين ينتميان الى هاتين الجماعتين : يانوكوفيتش الى جماعة دونيتسك وتيموشينكو الى جماعة دنيبروبيتروفسك. وفي نفس الوقت الذي بدأ سيرغي تيغيبكو الذي ينتمي الى جماعة دنبروبيتروفسك بالحصول على دعم شعبي في الفترة الاخيرة اعلن قبل شهر مضى عن استعداده لرئاسة الحكومة في حالة فوز تيموشينكو او يانوكوفيتش على حد سواء.
من جانبه اشار فيكتور يانوكوفيتش ابرز المرشحين للفوز بالانتخابات الرئاسية في اوكرانيا بشكل خاص الى جاهزيته لتوقيع اتفاق " تنازلات تاريخية " فيما اذا انتخب رئيسا لاوكرانيا وان الحديث عن رئاسة الوزارة يجب ان يجري على المستوى الوطني وليس على مستوى حزب الاقاليم .
اما فيما يخص السياسة الخارجية وبالدرجة الاولى العلاقة مع روسيا فان للمرشحين الاثنين تناقضات متشابهة.
لقد بذلت رئيسة الحكومة الاوكرانية عام 2009 جهودا عظيمة لكي تظهر بمظهر المرشح الاساسي الموالي لروسيا في انتخابات الرئاسة الاوكرانية حتى انها ضمت فيكتور ميدفيدتشوكو " الكاردينال الاسود " ايام الرئيس ليونيد كوتشما الى اللجنة المشرفة على حملتها الانتخابية. وتدرك تيموشينكو جيدا بان نجاحها في اوكرانيا مرهون بازاحة فيكتور يانوكوفيتش في المناطق الشرقية والجنوبية من اوكرانيا. وللحصول على دعم واسع من الناخبين في المناطق المؤيدة لحزب يانوكوفيتش لا بد من دعم روسي وهنا يمكن ان يلعب ميدفيدتشوكو دورا كبيرا.
ان عدم ثبات موقف تيموشينكو من روسيا واضح جدا فيكفي ان نتذكر موضوع تحديث منظومة نقل الغاز. ففي 23 مارس/اذار عام 2009 في بروكسل وقعت اوكرانيا والاتحاد الاوروبي ومنظمات مالية عالمية على معاهدة بدون روسيا حول تحديث القسم الاوكراني من منظومة نقل الغاز. ولكن بعدها دعا الاتحاد الاوربي واوكرانيا علنا دعوا روسيا للمساهمة في العملية. ولن ينسى كون ان رئيسة الحكومة الاوكرانية كانت المحور الاساسي في بروكسل لتنفيذ مشروع " السيل الابيض " الذي يعتبر مزاحما للمشروع الروسي " السيل الجنوبي ".
ستكون لدى تيموشينكو قدرات قليلة في حالة فوزها بكرسي الرئاسة لتنفيذ وعودها الانتخابية. وفي برنامجها الانتخابي ترفع شعار " اوكرانيا ستنتصر واوكرانيا هي انت !" وتشدد على الايمان كما فعل فيكتور يوشينكو عام 2004 في حين لا وجود يذكر لمقترحات اقتصادية.
وعمليا سيكون لتيموشينكو عدد من الطرق لرفد الميزانية : اصدار العملة بدون حدود والضغط على البزنيس الروسي. ودون النظر الى وعودها بخلق ظروف وتسهيلات للمواطنين الروس الا انه يجري في الاشهر الاخيرة هجوم مكثف على الشركات الروسية. فمثلا يتعرض مصنع " كريمنتشوغسك " لتكرير النفط الذي تملكه مؤسسة روسية – اوكرانية " اوكرتاتنافتي " منذ سنتين لهجوم مكثف بهدف ازاحة المساهمين الروس. وكان اخر ماحدث هو حل المؤسسة الاوكرانية – التتارستانية المشتركة بقرار من المحكمة الاقتصادية لمقاطعة بولتافا التي قررت بان شراء 8.6 % من اسهم شركة " اوكراتاتنفط " من قبل شركة " تاتنفط " الروسية مسألة غير قانونية وطلب تسليم الاسهم الى اصلها. وهناك هجوم اخر على مصالح البزنيس الروسي وهو مصنع " ترانسماشخولدينغ " لوغانسكتيبلوفوز. ففي 12 ديسمبر/كانون الاول عام 2009 اصدرت المحكمة الاقتصادية لمقاطعة لوغانسك قرارا بعدم قانونية خصخصة 76 % من اسهم هذا المصنع.
وليس هناك ادنى شك بانه في حالة فوز تيموشينكو بالانتخابات ستطلب من روسيا اعادة النظر باتفاقيات الغاز مبررة ذلك بعدم امكانية اوكرانيا في ظروف الحصار الاقتراضي تنفيذ التزاماتها السابقة بهذا الخصوص ولذلك لابد من قيام حرب جديدة حول الغاز بمشاركة نشيطة للاتحاد الاوروبي كوسيلة للضغط على موسكو.
كيف ستتطور العلاقات الروسية – الاوكرانية في حالة فوز يانوكوفيتش بكرسي الرئاسة؟ السؤال اكثر تعقيدا مما يظهر في الوهلة الاولى. ان فيكتور يانوكوفيتش صرح بمعارضة انضمام اوكرانيا الى الناتو وموقفه واضح من وجود اسطول البحر الاسود الروسي في سيفاستوبل.
ومع ذلك من السذاجة الاعتقاد بان سياسة يانوكوفيتش كرئيس للدولة ستكون موالية لروسيا. قبل كل شئ في المجال الاقتصادي ان رئيس حزب الاقاليم ساند عمليا تصريحات يوشينكو الخاصة بضرورة اعادة النظر باتفاقيات الغاز.
ستستمر اوكرانيا في عهد يانوكوفيتش بتنويع مصادر الكربوهيدرات مما يعني مساندة مد خط انابيب النفط دون المرور عبر الاراضي الروسية. ومن المعلوم ان " برنامج تنويع مصادر توريد النفط الى اوكرانيا حتى عام 2015 " قد اقر عام 2006 عندما كان يانوكوفيتش رئيسا للحكومة.
بخلاف تيموشينكو فان البرنامج الاقتصادي ليانوكوفيتش جيد. وخلال فترتي رئاسته للحكومة اظهرت اوكرانيا افضل وتائر نمو للناتج المحلي الاجمالي . ويقول الخبراء ان الفضل في ذلك يعود الى تمكن يانوكوفيتش من تصريف البضائع الاوكرانية في الاسواق الروسية.
ومن المحتمل جدا انضمام اوكرانيا الى الاتحاد الجمركي الذي يضم كل من روسيا وبيلاروس وكازاخستان والعمل بمشروع " فضاء اقتصادي موحد ". ان الرئيس الجديد سيصر على رفع القيود المحددة للبضائع الاوكرانية في اسواق الاتحاد الجمركي وخاصة في روسيا.
وفي حالة فوز يانوكوفيتش بكرسي الرئاسة في اوكرانيا فانه ستبدأ عملية اعادة علاقات التعاون في القطاعات العلمية والمجمع الصناعي العسكري حيث قال " انا متأكد ان مصالحنا المشتركة مع روسيا يجب ان تبنى على العلاقات التجارية – الاقتصادية وقبل كل شئ في مجال صناعة الطائرات وبناء السفن والصناعات الفضائية والطاقة الذرية والكهربائية ومجمع الصناعات الكهربائية ". ان اهتمام الجانب الاوكراني باعادة علاقات التعاون مفهوم جدا لانها الطريقة الوحيدة حاليا للتهرب من الانهيار الكامل لهذه القطاعات. وطبعا فان روسيا ستستفيد من قدرات القطاعات الاوكرانية خلال فترة قصيرة ولكن على ان تكون سياسة اوكرانيا مماثلة في هذا المجال.
طالعوا ايضا الترتيب الزمني للنزاع الروسي – الاوكراني حول الغاز.




التواصل الاجتماعي