فلاديمير ماياكوفسكي، مأساة الحياة والابداع

الثقافة والفن

فلاديمير ماياكوفسكي، مأساة الحياة والابداع
فلاديمير ماياكوفسكي، مأساة الحياة والابداع

بقلم:د. أيمن أبو الشعر

فلاديمير ماياكوفسكي، مأساة الحياة والابداع

قصائد لماياكوفسكي

حول مزمار الفقرات لماياكوفسكي

 متحف ماياكوفسكي بلدة بغدادي في جورجيا

ولد فلاديمير ماياكوفسكي عام 1893 في بلدة بغدادي في جورجيا، البلدة التي حملت اسمه فيما بعد، وكان والده  فلاديمير قسطنطينوفيتش  ، وكذلك والدته الكسندرا الكسييفنا من سلالة أسر قوزاقية، فوالده روسي من أصول تترية، وأمه من أصول أوكرانية . وكانت الأسرة غير الميسورة ماليا محبة للأدب والفولكلور والثقافة مما أتاح لماياكوفسكي تلقي التعليم الأولي في المنزل، ثم تابع الدراسة الإعدادية في مدينة كوتاييسي حيث بدأ يتشرب الحس الديمقراطي - الثوري. وتلعب ثورة عام 1905 دورا كبيرا في مشاعر (الطفل) فلاديمير، فينخرط رغم صغر سنه في نشاطات الحركات الثورية، ويعتبر مشاغبا بالنسبة للسلطات ، لكن الوضع الخاص بالنسبة لجورجيا آنذاك - حيث كانت أشبه ما تكون بمنفى للثوريين- ساعده في تتبع المنشورات السرية ، وأعطته نداءاتها دفقا جديدا مما دفع إلى توحد الشعر والثورة في رأسه ،كما يقول نفسه عن تلك المرحلة.

يغادر فلاديمير ماياكوفسكي مع والدته وشقيقتيه إلى موسكو عام 1906 بعد وفاة والده ، وتبدأ مرحلة مضنية تسعى فيها والدته لسد الرمق من صناعة بعض التشكيلات الفولكلورية وبيعها، وتأجير غرف في شقتها المستأجرة أساسا ، وينخرط فلاديمير في العمل السياسي وينتمي إلى حزب العمال الديمقراطي الاشتراكي وهو في الرابعة عشر من عمره ، فقد كان ذا مظهر رجولي وقامة طويلة، وقد شارك ببعض الأعمال الثورية بما في ذلك حفر نفق تحت السجن هربت خلاله سجينات كانت السلطات تستعد لإرسالهن إلى المنفى، وعرف ماياكوفسكي السجن المنفرد وهو لايزال بعد في الصف الخامس الابتدائي:

عندَ الشبيبة دروسٌ كثيرة
ندرسُ القواعدَ أغبياءَ وغبيّات
ها إنَّهم طردوني وقذفوا بي
من الصفِ الخامسِ إلى سجنِ موسكو

ينتسب عام 1911 إلى كلية الفنون ، وتبدأ أولى محطاته الجدية  في مساره الإبداعي بعد تعرفه إلى الشاعر بورليوك الذي كان مرشده ومشجعه الأول . تصدر أولى أشعاره عام 1912 وتكون أولى خطواته الشعرية المتميزة عبر المستقبلية التي كان لها أكبر التأثير على أسلوبه الفني.

كان الحب بالنسبة لماياكوفسكي محرقا متجددا، كان محرقا لأنه أحب بكل جوارحه، وكان متجددا لأنه أحب الكثيرات، لكن ليلي بريك

قلاديمير ماياكوفسكي وليلي بريك

كانت التجربة الأقوى والأقسى والأغنى إبداعا في حياته . وليلي بريك هي شقيقة إلزا تيروليه حبيبة أراغون، وكانت ليلي شخصية جذابة ومؤثرة، لكنها كانت زوجة الأديب والناقد أوسيب بريك حيث كان ماياكوفسكي يزورهما ، وقد أهداها أروع أشعاره :

انتزعتِ قلبي 
وببساطةٍ ذهبتِ لتلعبي به
كطفلةٍ تلعبُ بكرتها

على أن الثورة وبناء العالم الجديد ظلا هاجس ماياكوفسكي الأول والمسيطر، حيث ينغمس بأجواء الثورة والسلطة الجديدة حتى يغدو داعية ومحرضا إلى درجة أنه كان يكتب الأشعار الساذجة أحيانا للتوعية والإرشاد والتوجيه. ومن غير الإنصاف بالطبع أن ينظر إلى نتاجات من هذا النوع وكأنها تمثل جانبا هاما من شعر ماياكوفسكي، بل على أنها توضح مدى انغماسه حتى كل خلية في جسده ورعشة في روحه بأتون الثورة وعبيق ربيعها المنتظر. وكان يولي اهتماما كبيرا لصوغ الشعارات واللوحات الإعلانية الدعائية للثورة، لكن جل أشعاره النوعية كانت  بعيدة عن ذاك النمط الدعائي الفج وإن حاول أن يكون قريبا من فهم عامة الناس:

اليومَ ينهارُ الماضي المديد
اليومَ يُعادُ النظرُ من جديدٍ في أساسِ العوالم
اليومَ نعيدُ صنعَ الحياةِ حتى آخرِ زرٍ في ثيابِها

شكل نسف الماضي العتيق وعادات المجتمع التي يرى أنها لا تستحق سوى التحطيم ولعا خاصا لدى ماياكوفسكي والشعراء المستقبليين عموما ( كصفعة للذوق العام )، وقد عُرف عنه ميله للمشاكسة والتحدي، وكانت صوره الشعرية متأثرة بالفن التشكيلي ، وسرعان ما غدا من أشهر شعراء المستقبلية ( انظر بحثنا الموجز عن المستقبلية في الحلقة الرابعة من أنطولوجيا الشعر الروسي في هذا الموقع ) . لقد أغنى ماياكوفسكي المستقبلية بذاك الحس الإنساني المتوقد على الرغم من سعيه إلى الغرابة، حيث تظهر الصور بين حين وآخر منتزعة من صميم الواقع ، ناهيك عن توحده مع مشاعر المقهورين :

هذهِ روحي أنا
مزقٌ من غمامةٍ منتوفة
في سماءٍ محترقةٍ
على صليبٍ صدىءٍ لبرجِ الأجراس

ولاشك أن للمستقبلية الروسية نكهة وجدانية تميزها عن المستقبلية في أوربا ، وخاصة لدى خليبنيكوف الذي كان من أوائل الذين ركزوا على هذا الجانب، وخطا ماياكوفسكي خطوات جدية في هذا المجال منطلقا أساسا من رفض الموروث الذوقي والبحث عن صور جديدة توصله أحيانا إلى نقيض ما يبحث عنه فيقع في دوامة الوحدة بدل التوحد بالآخرين:

إنني وحيدٌ كالعينِ الأخيرةِ
لدى امرىءٍ مشرفٍ على العمى

هذا الاحساس بالألم دفعه بعنف نحو الانصهار في درب من يعتقد أنهم سيزيلون الألم، وأن يكون فاديا ونبراسا كالصورة التي يعلن فيها أنه سيشلع روحه لكي يقدمها دامية كراية للآخرين، وهي تذكر بصورة البطل ( دانكو) لدى غوركي في قصة "العجوز إيزيرغيل" ، حيث يحمل دانكو قلبه شعلة ليضيء بها الطريق في الغابة. كما أجاد ماياكوفسكي استخدام الحوار والمماحكة كنهج رئيسي معبر عن حركة الواقع نفسها.

ويمكن القول أن ولعه بالمستقبلية أبقى لديه ذاك التوثب الدائم نحو الجديد والطموح في التعبير اللغوي، كما أن الحس الثوري المتجذر في أعماق ماياكوفسكي أنقذه من الضياع في الشكلية والتجريب المحض ، وظل مهتما بالمشاعر الإنسانية وبناء الغد الأفضل وفهم جوهر حركة التاريخ، من ذلك إدانة الحرب ومشعلي الحروب في وقت انخدع فيه عدد غير قليل بشعارات الحرب كحافز للنضال الوطني ، مركزا على أن المسحوقين دائما كانوا وقود الحرب لا مشعليها .

ونميل إلى الاعتقاد بأن جذور الإيقاعات عند ماياكوفسكي من خلال الجناسات المتلاحقة ، والتركيز على الإيقاعات الصوتية يمكن أن نجدها عند خليبنيكوف وساشا  تشورني ، وخاصة في الصور المفاجئة، فيقول ماياكوفسكي في قصيدته "سحابة في سروال":

إلى حينِ تتبخرُ مدوزنةً بالقوافي
تمزجُ الدسمَ خافقةً ما تغليه
من الحبِّ والبلابل

ويقول ساشا تشورني عن صوت الفنان الذي يغني من أعماق روحه:

يخفقُ الدسمَ الحلوَ
من الحبِّ والبلابلِ والقمر

وكان ماياكوفسكي معجبا أيما إعجاب بساشا تشورني وهو من أوائل شعراء  المستقبلية.
إلى جانب كل ذلك كان ماياكوفسكي قد حسم امره منذ زمن بعيد مع الفكر الغيبي، من هنا كان يعبر بحزم عن رفضه ربط مصائر

الإنسان بالقدرية، وهذه التوجهات لم تأت بعد انتصار الثورة والفكر المادي ، بل قبل ذلك في إطار المواجهة العنيفة مع ممثلي الفكر الغيبي، وكنوع من التحدي. ومع إيقاع الثورة وانتصارها كان ماياكوفسكي في مقدمة المنافحين عن جموحها وأشرس الداعين إلى أن تكون حاسمة غير مترددة كما في نشيد اليسار:

شدِّدِ القبضَ على عنقِ العالمِ أيها البروليتاري
انهضْ بصدرِكَ إلى الأمامِ أيها الشجاع
انثرْ السماءَ بالأعلام
من ذاكَ الذي يخطو إلى اليمين ..
إلى اليسار.. إلى اليسار

حتى أنك تستطيع أن تتخيل النبرة التي يلفظ بها ماياكوفسكي نداءه الآمر إلى اليسار كصوت راعد محذر.
الملفت للنظر أن ماياكوفسكي أراد أيضا معرفة بلاد الخصم الرأسمالي بنفسه، فسافر أواسط العشرينات إلى أمريكا فاستقبل في البداية كمندوب مروج للأحذية المطاطية، إلا أنه استطاع ان يقيم العديد من الندوات والأمسيات والمناظرات، وكانت انطباعاته ثرة عن أوربا وأمريكا تبدت من خلال كشف الكنه الذي رآه آنذاك من منظوره الثوري محاولا تعميق السخرية من جوهر الأخلاق البورجوازية التي

رأى في لطفها وتهذيبها مجرد غطاء للجريمة:

كلُّ البارونات.. والكونتات ..
يعيشونَ في مدنٍ فاخرةٍ مختلفة
يسرقونَ
ويقولون: ( ميرسي ميسيو )
ويغتصبونَ
ثم يقولون: ( باردون مدام )

هذا ناهيك عن التجسيد التمثيلي للتعبير الصوتي، وتقطيع الجمل والكلمات إلى أداء خاص تعبر عنه صيغة كتابتها المجزأة ، مما يفرض على القارئ أن ينطقها أيضا وفق أدائها الصوتي المقصود:

إيقاعُ الأقدام..:
أع..دا ..ؤ.. كم..
أع.. دا .. ئي..

لابد من الإشارة أيضا إلى أن ماياكوفسكي كان متعدد المواهب والعطاءات، فمن الشعر إلى المسرح إلى الأمسيات والمناظرات والمحاضرات وتأسيس المجلات والتجمعات الإبداعية إلى السيناريو والتمثيل ناهيك عن نشاطه الهائل في المجال الدعائي حيث أنتج وصمم ورسم آلاف اللوحات. ولا يجوز أن ننسى أن ماياكوفسكي قدم إلى جانب كل ذلك قصائد وجدانية وعاطفية بالغة العذوبة والتفجر المشاعري من أعماق قلبه بما في ذلك تمثل الألم الإنساني والذوبان في مكنونه:

هناكَ أنا في كلِّ مكانٍ حيثُ الألم
وعلى كلِّ قطرةٍ من غمامةِ الدموع
صلبتُ نفسي

مات ماياكوفسكي منتحرا في 14 نيسان ابريل عام 1930 تاركا تراثا إبداعيا لا يطويه الموت .

  

قصائد لماياكوفسكي

اصغ

طالما أنَّ النجومَ  قد أوقدتْ
ألا يعني ذلكَ أنها ضروريةٌ لأحدٍ ما ؟
ألا يعني ذلكَ أنَّ أحداً ما يرغبُ في وجودِها ؟
ألا يعني ذلكَ أن أحداً ما يُسمي هذهِ البصقاتِ لآلئا ؟
وينطلقُ متهالكا نحوَ الله
في العواصفِ الثلجيةِ وغبارِ الهاجرة
ويخشى أن يكونَ قد تأخر
يبكي ويقبلُ يدَ الله المعروقة
ويتوسلُ لكي تكونَ هناكَ نجمةٌ حتما
ويقسمُ أنه غيرُ قادرٍ على تحمُّلِ
عذابِ فقدانِ النجوم
إثرَ ذاكَ يعبرُ قلقاً متصنِّعا هدوءَه
يقولُ لأحدٍ ما :
الآن يشعرُ المرؤُ بالسكينة
لم يَعُدِ الأمرُ مرعباً أليسَ كذلك ؟
اصغِ
إذا كانتِ النجومُ قد أوقدت
فهيَ إذن ضروريةٌ لأحدٍ ما
ويعني أنَّ أحداً ما بأمسِّ الحاجةِ إليها
فلتشع فوقَ السقوفِ في كلِّ ليلةٍ
ولو نجمةٌ واحدة..!
            ********
أمر إلى جيش الفن

يثرثِرُ فصيلُ العجائز
ويعاودُ اللغوَ ذاتَه مرَّةً إثرَ مرَّة
أيها الرفاق: إلى المتاريس
متاريسِ القلوب
الشيوعيُّ الحقيقيُّ هوَ ذاكَ الذي
يحرقُ جسورَ العودة
المستقبليونَ يتقدمونَ ما فيه الكفاية
وعمّا قريبٍ يقفزون
قليلٌ أن تُبنى القطاراتُ
وما إنْ تدرْ حتى يولونَ الأدبار
إذا لم تملأ الأغنيةُ محطةَ القطار
فلأيِ شيءٍ إذنْ تيارُ الطاقة
احشدوا الأصواتَ صوتاً إثرَ صوت
وإلى الأمام مغنينَ ومصفِرين
ما زالَ لدينا أحرفٌ جميلة
إر ..
شا ..
شا ..( 1)
قليلٌ علينا أن نبنيَ ، اثنين .. اثنين
وأن ننتفشَ زهواً بأشرطةِ السراويل
كلُّ نوابِ المجالسِ لا يزحزحونَ هذا الجيش
ما لم يعزفِ الموسيقيونَ النشيد
فانقلوا البيانو إلى الشارع
واقذفوا الطبلَ مِنَ النافذة
المهمُّ أنْ يهدرَ رعدٌ وقصف
حتى لو مزقتُمُ الطبلَ وهشمتمُ البيانو
وماهذا – تجهَدونَ في المصانع
حتى تُلطخُ سحناتُكم بالسُخام
وترمشُ أجفانُكم ناظرينَ بعيونٍ بومية
إلى بذخِ الآخرين
إنها حقائقُ بخسةٌ بما فيه الكفاية
امسحْ عن قلبِكَ كلَّ قديم
فما الشوارعُ إلا ريشاتنا
والساحاتُ لوحاتنا
لم تُمَجَّدُ الثورةُ بكتابٍ من الزمن
ذي الألفيْ صفحة
إلى الشوارعِ أيُّها المستقبليونَ
والطبالونَ والشعراء
يجانس ماياكوفسكي بين إيقاع الحرف شا ونهاية مصفرين الحال من فعل صفَّرَ وهي أيضا شا باللغة الروسية) ( سفيشا)  

           *********
عشاق الاجتماعات

حينَ يبدأُ الليلُ بالتلوُّنِ قليلاً مع الفجر
أرى الناسَ كلَّ يومٍ وهم يدخلونَ إلى المكاتب
مِنَ الإدارة
ومن الوِزارَة
من إلى المجلس
ومن إلى الدائِرة
يسكبونَ مطرَ الأعمالِ الورقية
ما إن تدخلْ إلى المبنى
وتخترْ خمسيناً منها ..
أهمَّ شيءٍ فيها
حتى يذهب العاملونَ
تتقدم:
ألا يستيطعونَ اللقاءَ معي ؟
إنني أترددُ إلى هنا منذُ زمنٍ بعيد
• الرفيق ايفان ايفانوفيتش ذهبَ ليجتمعَ
• معَ وحدةِ قسمِ المسرح ..
معَ فرعِ خيلِ المعامل
وتعبرُ مائةَ درج
كارهاً الزمن
ومرةً أخرى :
- قالوا أن تأتيَ خلالَ ساعةٍ فهم يجتمعونَ
لمناقشةِ زجاجاتِ الحبرِ ، والجمعيةَ
التعاونيةَ للقضاء
وخلالَ ساعة
لا يوجدُ حتى سكرتيرٌ أو سكرتيرة
كلُّ شيءٍ خالٍ هنا
إذ كلُّ من هم دونَ سنِّ الثانيةِ والعشرين
قد ذهبوا أيضاً إلى اجتماعِ الكومسومول
وأتسلقُ مرةً أخرى – محدِّقا بالليل – نحوَ
الطابقِ الأعلى في مبنىً مؤلفٍ
من سبعةِ طوابق
• هل جاءَ الرفيق ايفان ايفانوفيتش ؟
• إنَّه في اجتماعِ لجنةِ ، ب، ف، ك،يّ، ج، زّ، (2)
وأدخلُ غاضباً إلى الاجتماعِ – بسرعةٍ وقوة –
هاتفاً من أعماقي عبرَ الدرب:
أيها الملاعين المتوحشون
وأرى أنصافَ الناسِ وهم جلوس
يا للشيطان..!
أينَ نصفُهم الآخر ؟
هل قطَّعوهم / قتلوهم ؟
أنقذفُ صارخاً وأكادُ أفقدُ عقلي من
هذهِ اللوحةِ المخيفة
فاسمعُ صوتَ السكرتير الهادئ:
إنهم الآنَ يحضرونَ اجتماعَين بآنٍ معا..
في اليومِ الواحدِ علينا
أن نلحقَ عشرينَ اجتماعا
ولذا نَجِدُ أنفسَنا مجبَرين أن ننقسمَ
من الرأسِ حتى الخصرِ هنا
والباقي هناك
يضنيكَ القلقُ فلا تغفو
وقبيلَ الصبح
تستقبلُ الشروقَ المبكرَ بالحلم:
لو يُنظَّمُ اجتماعٌ يبحثُ
شلعَ جذورِ جميعِ الاجتماعات ..!


1. ايفان ايفانوفيتش مجرد اسم عام وهو كثير الشيوع وليس اسما لشخصية محددة
2. في اللغة الروسية تستخدم الأحرف الأولى للكلمات اختصارا بالنسبة للدوائر والأماكن وهو هنا يطرح حروفا مبتكرة امعانا في السخرية.

حول مزمار الفقرات لماياكوفسكي
بقلم د. أيمن أبو الشعر

تعتبرقصيدة " مزمار الفقرات" من أروع ما كتب ماياكوفسكي، ومن القصائد التي يتحدث فيها الشاعر من أعماق قلبه بصدق شبه مطلق، وهي ملحمة مطولة تنتقل في مواضيعها الجزئية محافظة على المحور الرئيسي، وكأنها تقارب بشكل عفوي تيار اللاوعي ولكن من حيث استنطاق مكنون المشاعر. وعلى الرغم من أن ماياكوفسكي يعلن في مقدمتها أنه يكتب هذا العمل اكراما لجميع المحبوبات مشرعا ( صالة دماغه لهن لأنه سيعزف على مزمار عموده الفقري ) إلا أنها مكرسة في الواقع لحبيبته التي قهرته ليلي بريك. وسنركز هنا على المحتوى منوهين ببعض الجوانب الفنية التي تحتاج إلى دراسة مفصلة خاصة .
يبدأ الشاعر برصد حالته وهو يمضي وحيدا في الشارع وقد سيطر طيفها عليه ويعلن منذ البداية أن هذا الحب جهنمي لأن الله أراد الانتقام منه بها لأنه أنكره :
لكنَّ اللهَ من عمقِِ الجحيم
خلقَ وأرسلَ لي امرأةً يرتعشُ
الجبلُ أمامَها ويرتَجِف ..
.. وخطرَ للإلهِ إذن أنْ يمنحَكَ زوجاً حقيقياً
هذا الوضع الإشكالي كونه يعشقها بجنون، وكونها تختار زوجا  آخر يذكرنا بحالة قيس بن الملوح في عشقه لليلى :
قضاها لغيري وابتلاني بحبها  ألا ليت ربي بغير ليلى ابتلانيا
يتابع  ماياكوفسكي رصد حالته التي تتنامى، وعذابه الذي يغدو غير محتمل إلى أن يبدأ بالتوسل إلى الله لكي يختار له أي عذاب آخر، وأن يسحقه وينهي حياته ساحلا إياه، معلقا جسده على شطلات النجوم، وأن يشنقه على درب المجرة مقابل أن ينقذه من حبيبته هذه :
افعلْ بي ما تشاء
إن شئتَ قطِّعني إربا
.. ولكنْ .. أتسمعني ؟
امحقْ هذه اللعينةَ التي جعلتَها حبيبتي
 
 لقد مر ماياكوفسكي بعدد من العلاقات العاطفية إلا أن حبه الأكبر كان مكرسا ومتوقدا أبدا لليلي بريك، وتُبرز هذه الملحمة وهي الأشهر والأجمل والأصدق والأكثر تعبيرا وخاصة من خلال صورها وتناقض توجهاتها عن حالته المشاعرية المتوقدة حتى الوله، تبرز صورة ماياكوفسكي ليس الثوري الصامد بل المعذب المعترف بحالته المزرية، سواء من خلال الكشف الصريح شبه المجنون عن مكنون القلب، أو من خلال بنائها التصويري الذي كان متجانسا إلى حد كبير مع هذه اللواعج التي تغدو حالات التصاعد والخفوت والصراخ والهجوم ثم الانهيار والاعتراف تعبيرا شفيفا عما عاشه في هذه التجربة المحرقية التي يرى البعض أنها كانت من بواعث انتحاره فيما بعد كما يلمح في المقدمة:
أليسَ مِنَ الأفضلِ أن
أنقِّطَ نهايتي برصاصة
وكلما حاول نسيانَ فجيعتِه عادت ذكراها وأشعلت فؤاده، وبشكل خاص إدراكه أنها لغيره جسدا حتى أنه يرصد وجودها مع منافسه في غرفة النوم حيث يغدو ماياكوفسكي بحالة شبه جنونية، فيهجوها ويعتبرها جنية ستحترق ( وفق الحكايا الشعبية ) إن أحد صلب قربها :
ولكن إذا أمكنَ واقتربَ أحدٌ ما
حتى وصلَ بابَ غرفةِ النوم
وراحَ يصلِّب فوقكُما وأنتما تحتَ الغطاءِ المدروز
فأنا موقنٌ أنَّ رائحةَ الشِِّواء الصوفيِّ ستنتشر
ويعجُّ الدخانُ الرماديُ من اللحمِ العفريتي
يدخل ماياكوفسكي في محاولة الانعطاف ليخدع نفسه، فهو سرعان ما يقول إنه لا يريدها ويبدأ باستحضار صور الحرب العبثية ، وينادي الناس للخروج من الخنادق وتأجيل القتال الذي لا معنى له ، بل وينادي الألمان بأيها الأعزاء مذكرا إياهم بكريتخن ( بطلة غوته في "فاوست" )، ومذكرا الطليان بترافياتا( وهي بطلة أوبرا للملحن الإيطالي فيردي ) وذلك من جديد كجسر للعودة إلى ذكراها، فهو وهي وحدهما قد يبقيان ، وعندها ينسى من جديد كل شيء ويبدأ بنجوى من نوع خاص :
أنا الرامي نفسَهُ خلفك
من مدينةٍ إلى أخرى
وحتى إن وُهِبتِ إلى ما وراءِ البحار
.. فإنني سألثمُكِ عبْرَ ضبابِ لندن
بشفاهٍ ناريةٍ كالقناديل
في هذا المنعطف من القصيدة يبدأ تدفق الصور المفاجئة لتقوده إلى نفسه من زاوية أخرى، صور متلاحقة وكأنما قذف بها عقله الباطن فهو سيضع خده الحار تحت الغبار حيث الأسود المستنفرة في الصحراء ليغدو خده برية لها ولكي تبتسم، وفجأة يرى نظرتها وكأنها تقول كم جيد مصارع الثيران هذا، فيرمي هو غيرته إلى شرفتها بعين ثور جامدة، وسرعان ما يخالها تخرج متقافزة إلى الجسر، ويقرأ أفكارها بأنها تود لو كانت في الأسفل، عندها يسترجع ذكرى كونها مع الرجل الآخر في منتزهات "ستريلكا" و"سوكولنيكي" فيهتف :
ما هو إلا أنا نهرُ السين تحتَ الجسرِ أنسكب
وأنادي مُكشِّراً عن أسناني الفاسدة
وستلهبينَ مع رجلٍ آخرَ ( ستريلكا ، أو سوكولنيكي )
بنارِ الجيادِ الماهرة
.. ما هو إلا أنا المرتفعُ في الأعلى هناك
أعذِّبُ بالقمرِ من هم في الأسفل ..
الصعود والخفوت في حالة ماياكوفسكي النفسية انعكاس لمرآة توقده وهدوئه، حسب معاناة المشاعر الحارقة حينا الحميمة حينا آخر، فهو في نهاية هذا المقطع يعود من جديد ليؤكد للناس أن حبه هذا قد يكون آخر حب في العالم وقد نضج كالفجر بحمرة المحموم.
في المنعطف الثالث يسترجع ماياكوفسكي حادثة محددة، كانت كما يبدو نقطة فاصلة وحاسمة، فقد دخل إليهما أي إلى ليلي بريك وزوجها وكأنما كان يفترض أن عليها أن تصون حبه هو، في حين أنها ربما خانته مع زوجها !! بل وأنها ربما حسمت أمرها بهذا الاختيار:
اليومَ ما إنْ دخلتُ إليكما
حتى أحسستُ بأنَّ شيئاً ما غيرَ عادي
قد حدث
وإذ بالحب جثة يطالب ماياكوفسكي حبيبته بأن لا تخفيها، وأن لا تكذب عليه وهو كمن يتأرجح متعلقا بحبل هي روحه، وكرد فعل على خيبته هذه يبدأ باستنهاض الاعتزاز بأنه شاعر كبير وعبقري، يبدو ذلك كضماد للجرح الذي تلقاه فقد حسمت أمرها مع رجل آخر أغنى منه يستطيع أن يقدم لها الملابس الباريسية، وأن يغرقها بالهدايا وذلك ما لا يستطيع فعله ماياكوفسكي لكنه أكبر من ذلك بكثير، أكبر بقدرات موهبته من نصر القائد الروماني بيروفا نفسه ومع ذلك:
لقد قُدِّرَ التاجُ لكِ إلى الأبد
ولكنَّ كلماتي أنا منسوجةٌ في التاج
وكما أن الفيلةَ بألعابِها الساحقةِ
أحرزتْ نصرَ بيروفا
لعلعلتُ دماغكِ بخطوةِ العبقرية
ومع ذلكَ لم أتمكنْ من انتزاعِك
بهذا الإقرار بالفشل يحاول هذه المرة أن يوازن بين هزيمته وبين الواقع الذي يتخيله باعتبار أن محبوبته خسرت ما هو أثمن من اختيارها، ولهذا يغدو رأسه ككتلة نار من الغم يود ان يغمسها بالماء( حتى يكشر الماء )، ولأن ماياكوفسكي يقدم سجلا للمشاعر لا سجلا للأحداث، يبدأ بالتعبير عن احساس آخر وهو القبلة الباردة ( كما لو انني أقبل بشفاه ميتة أحجارا باردة في دير منقوش)، وعندما يدخل عليهما الرجل الآخر الذي اختارته يقرر أن يخرج هو نهائيا .. تاركا العنان لوصف حالته المزرية بعد ذلك ، وكأنه يرسم هذه الحالة بالصور المعبرة الشفيفة حينا القريبة من السوريالية حينا آخر :
نهضَ وجهُكِ بالرؤيا أمامي خارجاً منك
وتبدَّتْ عيونُكِ حتى فوقَ سجادته
كما لو أنَّ ( بيالكا ) جديداً قد أعادَ
التأملَ خالقاً ملكةً باهرةً لصهيونَ اليهودي
وها أنا أجثو على ركبتي
أمامَ منْ تخليتُ عنها لغيري
وليسَ لي صنواً حتى الملك البيرت
الذي أعطى كلَّ مدنِه
ويبدأ بنشيد موغل في الاعتراف والحنين والعشق المعنّى، يختم به ملحمته مناقضا في حالة الهدوء والاعتراف القلبي كل ما جاء فيها في حالة الفورة والغليان والتمزق، ويتوضح من ذلك أن هجومه الصارخ عليها ووصفها بأنها لعينة وعفريتة غير إنسية وأنها فظة بشفاهها الباردة وأنها فضلت عنه من يقدم لها الثياب الباريسية والحلي وأنه لا يريدها وأنها قتلت الحب وحاولت أن تخفي الجثة، يتوضح أن كل ذلك إنما يعني النقيض تماما من خلال صور وعبارات مبثوثة في النص خلقت نوعا من الحركية الخاصة إبان التأرجح بين الحالتين حين يكون الواقع أكبر من أن يتغلب عليه، فهو  بالمقابل حين يتحدث عن الحرب يؤكد أنه إن قتل فيها فإن (اسمها سيكون آخر ما ينطق به)،  وهو إن نصبوه امبراطورا فإنه (.. سيأمر الناس أن يصكوا رسم وجهها على ذهب عملته ) ، وإن قدر له أن يغدو منفيا ( فسينقش على السلاسل اسم ليليا )..ولا أدل على ذلك من تلك الخاتمة المليئة بالوجد حين لا يرى خلاصا له غير الشعر نفسه، لا كخلاص جسدي بل روحي من خلال صلب نفسه بكلماته، وكأنه يوجه بهذه الخاتمة رسالته عن مشاعره الحقيقية إليها، ماسحا كل ما وصفه بها من ألفاظ وصور قاسية شنيعة، مؤكدا أنها الحميمة إلى قلبه أبدا:
يا سارقةً قلبي ..يا معذبةً روحي بالهذيان
تقبَّلي عربونيَ يا عزيزتي   ..
لوِّني تاريخَ هذا اليومِ عيدا..
أبدعْ أيها السحرُ الذي يوازي الصلب
ألا تروا : بمساميرِ الكلماتِ مسمرٌ على الأوراقِ أنا

  

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)

comments powered by HyperComments

لتثبيت التطبيق اضغط هنا

قم بإضافة تطبيق "RT Arabic" على متصفح اوبيرا (Opera) لتسهيل متابعة وقراءة اخر الاخبار من موقع قناة "RT Arabic". مع هذا التطبيق ستكون على علم بأخر الاخبار العربية والعالمية.

لتثبيت التطبيق اضغط هنا

قم بإضافة تطبيق "RT Arabic" على متصفح كروم (Chrome) لتسهيل متابعة وقراءة اخر الاخبار من موقع قناة "RT Arabic". مع هذا التطبيق ستكون على علم بأخر الاخبار العربية والعالمية.

لتثبيت التطبيق اضغط هنا

قم بإضافة تطبيق "RT Arabic" على متصفح موزيلا (Firefox) لتسهيل متابعة وقراءة اخر الاخبار من موقع قناة "RT Arabic". مع هذا التطبيق ستكون على علم بأخر الاخبار العربية والعالمية.