كمال الصليبي
خفايا التوراة / وأسرار شعب إسرائيل
( Secrets of the Bible People ) .
اكتفينا بهذا المقدار من الاقتباس من مقدمتي الكتاب , نظرا لتعذر حصولنا على موافقة من دار الساقي , الجهة الناشرة والمالكة للحقوق , لتقديم فصوله بما يفيد حوارنا مع الدكتور الصليبي .
وبما يساعدنا على تعميم رؤية الدكتور الصليبي لأكثر الحقائق التي لا تزال تُقلق العقل البشري , قصص الأديان التوحيدية , وأعماقها التاريخية , وجغرافيتها الصحيحة , وأصولها القديمة .
من ضمن قراءة علمية ومختصة لتلك القصص في أصولها اللغوية القديمة , وهو عمل لا يملك أبجديته إلا قلّة قليلة ونادرة من علماء دراسات الكتاب المقدس , يتقدم عليهم الدكتور الصليبي علما وشجاعة , وأصالة إيمانية وإنسانية عليا .
وكل ذلك من ضمن صدق وصلابة إيمان الدكتور الصليبي , وإيماننا أيضا , بالأديان السماوية التي ننتمي إراديا لها , ونؤمن بمقدسها . وإصرارنا على نشر وتعميم ونقاش كل ما يساعد في جلاء مكامن الالتباس فيها .
بمقدار ما ترتقي الأديان السماوية بالعقل الإنساني في مدارج الأخلاق والاجتماع , واللقاء مع الإنساني الآخر .
بمقدار ما تتعرض للتهديم من قِبل تجار الهيكل من الداخل .
ففي كل بيت توحيدي منازل كثيرة , عندما تعجز عن الالتقاء في البيت الإبراهيمي التوحيدي الأول , من المؤسف أن نراها تتجه إلى فلسفة الإلغاء وثقافة الطبقات المذهبية السلبية .
كأن هذا المقدس السماوي الذي يستطيع الإنسان أن يَرِد مناهله العذبة بسهولة , ليس أكثر من هوية قبلية , وليس هوية الإنسان الجامعة والعليا .
بانتظار زمن قادم يخرج فيه المقدس السماوي التوحيدي الإبراهيمي الأول من أيدي تجار الهيكل .
وزمن يخرج فيه الفكر الإنساني الراقي من أيدي تجار الفكر .
سنحاول بدفء وسلاسة أن نُعيد صياغة هذه الفصول الاستثنائية , بمعنى إذابة ذهبها وإعادة صبه في قوالب طرية ولينة .
.
.
قصص التوراة
قضيّة آدم وذويه
وهي القصة الأولى في المقدس التوحيدي , تتحدث عن الخلق وبدايته , تتراكم في طبقاتها الأسطورة والخرافة بالتاريخ والخيال , واللغة الجافة بالشاعرية والرمز .
فالأسطورة هي معالجة شعرية خيالية لمادّة التاريخ . أمّا الخرافة , فالمادة فيها ليست تاريخية بقدر ما هي فلسفية تأملية .
هذا التراكم الأثري الفكري عبر الزمن الذي يرتب الحقائق بأناقة وأمانة لأنه لا يملك القدرة على العودة إلى الوراء .
الحقيقة التاريخية للمقدس التوحيدي تتوضع في بلاد اليمن وعسير في جنوب غرب جزيرة العرب , في تلال أثرية في جغرافية تلك الأرض العتيقة ولا تزال تنتظر التنقيب والكشف والتوثيق .
وفي تلال أثرية في ذاكرة وتراث قبائل تلك البلاد , في حلها وترحالها , عبر آلاف جليلة من السنين .
لنتابع مع الدكتور الصليبي التنقيب في (تل آدم وذويه الأثري) , طبقة تتلو طبقة , وحقيقة تتلوها الحقيقة .
في جغرافية سفر التكوين , جغرافية الخرافة والأسطورة , الأسطورة التي تختلف عن القصة بارتباطها كالتاريخ بجغرافيتها , وخدمتها كالتاريخ الغرض نفسه في راوية الأحداث والتغيرات والتحولات عبر الزمن .
في الطبقة الأقدم من (تل آدم وذويه الأثري) نجد قصة "الإنسان" أي "الآدم" الذي خلقه الرّب يهوه , وهو "الإنسان الأول" , جدّ جميع البشر .
1 _ قصّة الإنسان الأول :
التي تجري في جنة عدن , وهي واحة الجنينة بأسفل وادي بيشه , إلى الشرق من سراة عسير , وهي آخر النخيل والعمران في ذلك الصوب .
في صراع الآلهة , ليس أقل من ستة آلهة , بمعنى أنهم كانوا في الحقيقة التاريخية يعتبرون مجموعة قبلية , مثلهم مثل قبائل البشر , كـ "بني إسرائيل" وغيرهم .
خلق الرّب يهوه احد هذه الآلهة , الإنسان الأول في وادي أدَمَة من روافد وادي بيشه , ثم جنة عدن , ثم وضعه فيها ومنعه من الاقتراب من شجرتي الحياة / الخلود والمعرفة , أقدم شجرتين / أقدم إلهين .
حواء في القصة ليست زوجة "الإنسان الأول , الآدم" , بل الإلهة "أم كل شيء حي" , أي "أم جميع المخلوقات الحيّة" .
أكل الإنسان الأول من شجرة المعرفة ولم يأكل من شجرة الخلود فاستحق لوحده الطرد من جنة عدن لأنه الوحيد من غير طينة الآلهة الباقين جميعا بمن فيهم "الحنش" , الحيّة .
2 _ قصّة قايين وهابيل :
في الطبقة الثانية نجد قصة "الإنسان" الذي أنجب قايين وهابيل , بل نجد قصة قايين وهابيل لوحدهما .
عند التدقيق في اللقى اللغوية في الطبقة الثانية من (تل آدم وذويه الأثري) يفصل الدكتور الصليبي نهائيا بين "الإنسان الأول" , وبين قايين وهابيل , فقايين كانت له زوجة أنجبت له ابنه "حنوك" , ويعيش في عالم مسكون , وابتنى لنفسه مدينة , إذا هو ليس البكر "للإنسان الأول" الذي لم يكن في وقته إنسان آخر على الأرض !
والجدير بالملاحظة أن "الإنسان الأول , الآدم" وزوجته حوّاء , لا يلعبان أي دور في قصة خلاف قايين وهابيل .
وهذه القصة تتضمن قصتين متداخلتين , الأولى خرافة تعالج مسألة الخصام بين البشر , والثانية أسطورة تصوّر الأصول القبلية لشعب معين من شعوب جزيرة العرب في القدم .
تقول القصة أن حوّاء والإنسان تم بينهما الجماع فولدت له قايين ثم هابيل , ثم يختفي الإنسان وزوجته حواء من القصة .
هابيل راعي غنم , وقايين عامل في الأرض .
قدّم هابيل للرّب يهوه قربانا من أبكار أغنامه ومن سمانها . فقبل الرب قربان هابيل .
قدم قايين للرب قربانا من أثمار الأرض , فلم ينظر إليه , ولم يشرح له سبب رفضه لقربانه .
قتل قايين هابيل , وأنكر صنيعة يديه أمام الرّب يهوه فانزل الرّب يهوه عليه اللعنة وجعله تائها في الأرض .
أقر قايين بعظيم ذنبه أمام الرّب يهوه , وطلب منه أن يخفف عنه العقاب حتى لا يقتله في التيه أحد , فجعل له الرّب يهوه علامة "لكي لا يقتله كل من وجده" .
هذه هي الخرافة في قصة هابيل وقايين , وفي نهايتها بداية الأسطورة .
فتخوف قايين من سائر البشر في التيه الذي صار إليه يشير بوضوح إلى انه ليس الابن البكر "للإنسان الأول" بل يعيش في عالم مليء بالبشر .
ثم أن القصة لا تشير إلى حزن حواء على ابنها القتيل أو غضب الآدم من ابنه القاتل !
إذا هي قصة تعالج مسألة الخصام بين البشر , وقد رأى فيها بعض الباحثين محاولة لتفسير ظاهرة العداء بين المزارعين والرعاة على مر التاريخ .
ويرى الدكتور الصليبي في القصة ما هو أعمق من ذلك , يرى فيها لغزا خفيا يشير إلى نوعين من العبادات القديمة في جزيرة العرب : نوع يجيز لأتباعه أكل اللحوم , ونوع نباتي لا يجيز ذلك .
والقصة في أصلها لم تكن تتحدث عن دور للرّب يهوه في الخصام الذي قام بين قايين وهابيل , ثم أدخله في وقت لاحق أصحاب العبادة اليهوية , ليجعلوا منها جزءا من تراثهم .
وقد كانت هذه القصة جزءا من تراث ديني أقدم في الأصل مختصّا بعبادة الإله هُبَل , ولا تزال هناك قرية في وادي بيشه تحمل اسمه .
وهي العبادة التي بقيت موجودة في الجزيرة العربية حتى ظهور الإسلام . وهي عبادة تستند على أكل اللحم وضرورة تقديم القرابين منها .
صار من الضروري الآن البحث عن قايين جيدا في تفاصيل القصة , قبل أن تبدأ الأسطورة بالظهور فيها .
في اسم قايين ما يشير إلى أنه كان يعتبر الجدّ الأعلى لقبيلة "القين" في شمال جغرافية بلاد اليمن وهناك قريتين ما زالتا تعرفان باسم "النْودَة" ولعلهم كانوا يسكنون قبلا في جنوب اليمن بناحية مدينة عدن الساحلية .
وقد كانت قبيلة "القين" وضيعة الحال بين القبائل (شأنها في ذلك شأن الصلبة في الوقت الحاضر) , وتعتبر من العرب البائدة , وكانوا نباتيين .
وتشير العلامة في القصة إلى أنهم شعب يتميز عن غيره من شعوب البادية , ولا يُقاتل أو يقَاتل .
وتستمر الأسطورة في القصة فتتحدث ببعض الإسهاب عن ذّرّية قايين , أي عن تفرعات شعب "القين" والانتشار الجغرافي لأهمّ القبائل التي كان يتكوّن منها , في غربي جزيرة العرب على الأقل .
3 _ أدم وذريته
في الطبقة الثالثة نجد قصة الرجل المدعو "آدم" الذي أنجب "شيت" فصارت له منه الذرية التي تعتمدها التوراة كأساس لأنسابها , حسب التقليد "الكهنوتي" .
أسطورة آدم وذريته وأولهم ابنه "شيت" ثم حفيده "أنوش" , وافترض الباحثون أن "آدم" هو نفسه "الإنسان الأول" , متجاهلين أن اسم "آدم" هنا لا {يحمل أداة التعريف} .
افتراض الباحثين كان بسبب ما قام به أصحاب التقليد "الكهنوتي" , أو من عمل "المحققين" , في إضافة روابط على النص التوراتي القديم .
أما أسطورة آدم , فالغرض منها هو شرح علاقة النسب بين مجموعة من القبائل اليمنية الأصل , وعلى رأسها قبيلة "ثات" وقبيلة "أنس" المعروفة باسم "أنس الله" .
وقد استمر وجودهما في جنوب اليمن حتى العصور الإسلامية , ولكليهما ذكر في "صفة جزيرة العرب" للهمداني .
أما شخصية آدم في هذه الأسطورة , فهي ترمز بلا شك إلى منطقة جبل أَدِم باليمن إلى الجنوب من صنعاء , بين بلدتي إبّ و يَرِيم .
ويبدو أن هذه المنطقة كانت تعتبر في القدم الموطن الأصلي لقبيلة "الثات" التي تفرعت عنها قبيلة "أنس الله" .
وأهم ما يجب ملاحظته في أسطورة "آدم" و "قايين" والذرية التي كانت لكل منهما , هو مادّة تاريخية هامة تتعلق بأنساب بعض القبائل القديمة في جزيرة العرب , والتي طالما طواها النسيان
من الضروري ملاحظة :
أن {رابطا وحيدا افتراضيا} , يمتد بين هذه الطبقات القصصية الخرافية الأسطورية الثلاث , وهو شخصية "حواء" .
في القصة الأولى هي المرأة التي خلقها الرّب يهوه من ضلع الرجل , الإنسان الأول .
وهي في القصة الثانية الزوجة التي جامعها الإنسان , فولدت له قايين وهابيل .
أما في القصة الثالثة فهي في سفر التكوين "وعرف آدم امرأته أيضا فولدت ابنا ودعت اسمه شيتا" .
لا بد من الإشارة إلى أن :
علماء التوراة في السابق كانوا يسمّون هذه الأصول المفترضة "نصوصا" .
وهم اليوم يفضلون الإشارة إليها على أنها "تقاليد" تعرّف اليوم على الوجه الآتي:
1 _ التقليد "اليهوي", وقد سمّي بذلك لأنه يتحدث عن الذات الالهية باسم "يهوه" (وفي الترجمات العربية المعتمدة "الرب") .
2 _ التقليد "الإلوهيمي", وقد سمي بذلك لأنه يطلق على الذات الالهية اسم "إلوهيم" أي "الله" .
3 _ التقليد "الكهنوتي", وهو يختلف عن التقليدين السابقين بكونه تعليميا, وليس قصصيا.
ويلاحظ تداخل التقليد "الكهنوتي" في التقليدين "اليهوي" و "الإلوهيمي" حيث يروي هذان التقليدان قصصا عن شخصيات معينة, فيأتي التقليد "الكهنوتي" ويعطي هذه الشخصيات أنسابها بأسلوب يختلف تماما عن أسلوب القصة.
وكثيرا ما يأتي التدخل "الكهنوتي" معكرا لصفو الأسلوب القصصي ومشوّها له في الروايات "اليهوية" و "الإلوهيمية".
.
.
خفايا التوراة ..
قضية آدم وذويه / الأسئلة .
دكتور ..
قصة آدم وذويه , تتكون من ثلاث عناصر على الأقل:
_ قصة الإنسان الأول .
_ قصة الإنسان الذي أنجب قايين وهابيل.
_ قصة الرجل المدعو أدم الذي أنجب شيت.
الحقيقة التاريخية والأسطورة وإعادتهما إلى جغرافيتهما الطبيعية وبيئتهما القبلية الصحيحة , تستمر في الكتاب كنظرية علمية تاريخية صلبة ومتكاملة وتراكمية في أبحاثكم كلها.
وننتظر كبقية المؤمنين والمهتمين بالتاريخ كملك جماعي إنساني وكأرضية مبدئية للتقارب بين جميع البشر , علم الآثار لتثبيت النظرية وجلاء تفاصيلها.
الخرافة أو الميثولوجيا هي ما نرغب في طرح بعض الأسئلة والاستفسارات حوله:
س1_ هل نستطيع القول أن التقليد "اليهوي" , هو جمع قصصي لكل أساطير بلاد عسير واليمن وجوارهما الجغرافي ..؟؟
س2_ هل نستطيع القول أن التقليد" الإلوهيمي" , هو الأكثر تعبيرا عن الفكر الفلسفي لشعب إسرائيل وتطور تجربتهم الدينية ..؟؟
س3- هل نستطيع القول أن التقليد "الكهنوتي" هو بداية صياغة وتحويل التقليدين السابقين إلى ديانة يهودية خاصة "بشعب إسرائيل" في أواخر زمن ملكهم في بلاد عسير ..؟؟
س4_ هل نستطيع القول أن عمل "المحقق" والتقليد "التثنوي" , هو الصياغة النهائية "للديانة اليهودية" وإحكام ربطها بالتراث الخرافي والأسطوري لجغرافية بلاد عسير وبلاد اليمن ..؟؟
س5_ من أي مصادر تعتقدون أن أصحاب التقليد "التثنوي" قد استقوا معلوماتهم التاريخية ..؟؟
ج (1-5): سوف أسمح لنفسي أن أجيب على الأسئلة الخمسة الأولى معاً، لكون هذه الأسئلة مترابطة. وعليّ أن أقول، بداية، بأني مقتنع، شخصياً، بالنظرية القائلة بأن الأسفار التوراتية التي تعالج أساطير بني اسرائيل وتاريخهم وصلتنا نتيجة لعمل تراكمي في التدوين ابتدأ، حسب رأيي، في (عهد الملك سليمان بن داوود القرن العاشر ق.م.)، وانتهى بين القرنين الخامس والثالث ق.م.
وكان سبق عملية التدوين، على ما يبدو، تواتر شفهي للقصص عن بني اسرائيل بين أجيال من رواتهم، أروعها القصص المنسوبة إلى التقليد اليهوي (أو، في الأصح، التقاليد المسماة اليهوية)، حيث يطلق على إله بني اسرائيل اسم "يهوه" (وفي الترجمات العربية، "الرب"). يلي ذلك القصص المنسوبة إلى التقليد "الإلوهيمي" (أو بالأحرى التقاليد الألوهيمية) حيث يسمى الإله ذاته "إلوهيم" (قابل مع العربية "اللهمّ"، على ما أعتقد، أو "هما- إلوهيم"، أي "الآلهة" (في صيغة جمع التفخيم pluralis excellentiae ).
هذان التقليدان بدأ تدوينهما معاً، على ما أعتقد، على أيدي كتبة يعملون تحت إشراف كهنوتي، بعد أن أصبح لبني اسرائيل مملكة وشأن، وبعد أن أصبحت لديهم تقاليد دينية توحّد صفوفهم في ظل مملكة "كل إسرائيل"، ثم ملوك مملكة "يهوذا" من سلالة سليمان. ولذلك جاء هذا التقليد يشدّد على خصوصيّة العلاقة بين بني اسرائيل والربّ يهوه الذي هو الإلوهيم بالنسبة إليهم. هذا التقليد الثالث (وهو التقليد التدويني الأول، أو بالأحرى التقاليد التدوينية الأولى) هو المسمى "التثنوي"، نسبة إلى سفر التثنية. وقد جاء هذا التقليد بحد ذاته تراكمياً، بحيث تتالت أجيال من الكتبة بين القرنين العاشر والسادس ق.م. في العمل على المادة ذاتها. كل جيل يتعامل مع هذه المادة بدوره، ويتلاعب بها أحياناً حسب أهوائه.
ولعل جذور التقليد المسمى "الكهنوتي"، أو بعضها، يعود إلى زمن المتأخرين من ملوك يهوذا، عندما قويت شوكة الكهنة الصادوقيين في المملكة. لكني أرجّح ان البداية الحقيقية لهذا التقليد جاءت بعد السبي البابلي (586 ق.م.)، بل وسقوط مملكة بابل في أيدي الفرس (535 ق.م.). كان الكهنوت الصادوقي في ذلك الوقت حل محل السلالة الداودية/السليمانية في قيادة بني إسرائيل في شتاتهم، فأخذ هؤلاء الكهنة يعملون، مع أنصارهم، على تحويل بني إسرائيل الشتات من شعب تاريخي إلى طائفة دينية ما لبثت أن تسمّت باليهودية (نسبة إلى مملكة يهوذا البائدة، علماً بأن الذال هي لغة في الدال). وابتداءاً من أواسط القرن الخامس ق.م. أي بعد الفتح الفارسي لبلاد بابل بقرن تقريباً، ظهر بين بني صادوق كاهن اسمه عزرا (في القرآن عُزير) كان هو، على الأرجح، الذي بدأ بالعمل على مراجعة ما وصله من المدونات الإسرائيلية القديمة وإعادة النظر فيها. والعملية هذه التي استمرت أجيالاً، مثل سابقاتها، هي ما يسمى التقليد الكهنوتي. وما الظاهرة التي تسمى "المحقّق" إلا كناية عن المراجعات الكهنوتية الأخيرة لنصوص الكتاب المقدس العبري الذي نطلق عليه اسم "التوراة". وهذا في الأصل اسم الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس.
س6_ هل نستطيع القول أن حصول "الإنسان الأول" على المعرفة قاده إلى (معرفة أنه سيموت , بمعنى "الأضحية" الطقسية) لأنه ثانوي في استمرارية الحياة الإنسانية , فاستحق الطرد من الجنة , بعكس "الأنثى الأولى" الرئيسية في استمرارية الحياة , بما يعنيه ذلك من شرح لإلوهية المرأة كديانة بدائية سبقت كل الديانات , قبل أن يظهر لاحقا الإله الذكر يهوه في الخلفية كمهيمن جزئيا على مشهد الخلق والسابق لظهوره بكثير ..؟؟
ج6- في هذا السؤال اجتهاد لطيف لم يخطر على بالي من قبل.
س7_ هل تتضمن قصة الإنسان الأول "تورية" لعبادة الأنثى / الأم الكبرى_الأرض , وهي الديانة التي كان يقدم فيها الذكر كقربان, (أضحية بشرية) .؟؟
ج7- في تحليلي لقصة الإنسان الأول، بدا لي أن المرأة التي أعطاها يهوه للرجل كانت إلاهة- وإلهة "أم كل حي" تحديداً. لكني لم ألحظ في القصة إشارة إلى أن الذكر كان يقدم قرباناً لهذه الإلهة.
س8_ هل تتضمن القصة تقديسا متأخرا لدور الكهنة تمت إضافته على عجل ..؟؟
ج8- يبدو لي أن لا تقديس في القصة لدور الكهنة، بل أن فيها محاولة واضحة للنيل من مكانتهم. وذلك بجعل مهمتهم ليست مساعدة الانسان على الرب يهوه، بل مساعدة الرب يهوه على الإنسان. مما يجعل من الكهنة أصدقاء للرب يهوه وأعداءاً للإنسان. ويبدو لي أن في هذا الجانب سخرية مقصودة.
س9_ هل كانت عبادة الأنثى / الأم شكلا دينيا بدائيا , عاد إلى الظهور لاحقا كديانة سماوية كما وردت في قصة عيسى ابن مريم القرآنية في نفس الجغرافية القديمة لهما في بلاد عسير ..؟؟
ج9- عبادة المرأة- الأم، الأخت والحبيبة/الزوجة في آن أحياناً- ظاهرة معروفة، وكذلك عبادة المرأة الأم البتول. وقد انتقلت هذه الظاهرة بقناع أو آخر إلى بعض الديانات التوحيدية المتطورة، أو إلى مذاهب من هذه الديانات. النص القرآني يشير إلى أن بعض قدماء النصارى كانوا يعتبرون مريم، والدة عيسى، إلهة، ويعتبر ذلك خروجاً من قبلهم عن الدين القويم. والأناجيل والرسائل، من ناحيتها، لا تأمر بتقديس أم يسوع أو تأليهها. أضف أن دساتير الإيمان الأصلية التي تقرأ في الكنائس، وأهمها دستور الإيمان المسمى النيقاوي (325م) لا يقر لمريم بمكانة لاهوتية خاصة، بل جل ما يقوله هذا الدستور بشأنها، في كلامه عن "الله الإبن": "وتجسد بالروح القدس من مريم العذراء". لكن التقليد الموروث، بين عامة المسيحيين، كان أقوى من النصوص في إصراره على تقديس أم يسوع، بل ومخاطبتها مباشرة في الصلاة وطلب شفاعتها.
النساطرة، في العصور المسيحية الأولى، لم يجيزوا تسمية مريم "أم الله" لاعتبارهم إياها فقط أم "المسيح الانسان". وعلى هذا الأساس افترقوا عن اليعاقبة، وعن سائر المسيحيين جملة. والبروتستانت، في العصور الحديثة كان وما زال لديهم تحفظ شديد تجاه تقديس مريم ومخاطبتها في الصلاة وكأنها إلهة. لكن معظم المسيحيين في العالم ما زالوا متمسكين، وبشدة، بالتقليد المريمي، واعتبارهم إياه من أساس الدين. ولا بد أنهم قادرون، من خلال هذا التقليد، أن يروا في مريم صورة لواقع وجودي عميق المعني يتعذر على أمثالي من البروتستانت تفهمه.
س10_ هل تتضمن قصة قايين وهابيل , جلاء حقيقة الحاجة إلى أضحية بشرية ..؟؟
ج10- لا أظن ذلك.
س11_ وهل كانت قصة إبراهيم وإسماعيل نهاية هذا النوع من "الديانات الطبيعية" ذات الأضحية البشرية ..؟؟
ج11- لا معرفة خاصة لدي في الموضوع للبت في الأمر.
س12_ هل كانت عادة وأد البنات استمرار لطقوس الأضحية البشرية البدائية إلى وقت ظهور الإسلام . بحيث صارت الضحية_المقدسة هي أنثى ..؟؟
ج12- هذا الأمر ينطبق على قصة قايين وهابيل. قايين كان نباتياً، على ما يبدو، ففضّل الرب يهوه أخاه الأصغر هابيل عليه لأنه كان مثل يهوه، يحب اللحوم ويهوى رائحة شيّها.
س13_ هل قصة الرجل المدعو آدم تتضمن صراعا بين نوعين من العبادات بين القبائل ..؟؟
ج13- لا يمكنني أن أجزم في المجهول.
س14_هل نتوقع الكشف الأثري عن الإنسان البدائي الأقدم في جغرافية بلاد عسير , وربما في جوار "واحة الجنينة" , أسفل قرية العدنة , بوادي بيشه ..؟؟
ج14- جوابي الجديد عليه (وقد أجبت عليه سابقاً): لا معرفة خاصة لي بعلم الآثار. أضف أني، على وجه العموم، أتحفظ تجاه ما يُعلن عن نتاج علم الآثار إلا إذا جاء هذا النتاج مقترناً بنقوش على الموقع تؤكد ماهيته.
الحواشي :
_ شعب إسرائيل : ليس المقصود بهذا المصطلح لدى الدكتور الصليبي "إسرائيل الحالية" وهي التي سرقت هذه التسمية من الكتاب المقدس وألصقتها بالدولة العبرية التي تأسست عام 1948م .
بل المقصود ذلك الفرع من العرب البائدة الذي عاش في بلاد عسير والذي أضاء عليه القرآن الكريم في العديد من آياته , ويعود الفضل إلى الدكتور الصليبي في الكشف عن عملية التزوير التاريخية الضخمة التي ارتكبها الصهاينة عند سرقتهم لهذا الاسم ووصمِهم له عند استعماله اسما لدولتهم .
_ الديانة اليهودية : وهي السلف للديانة اليهودية الحالية , وهي تختلف تمام الاختلاف كما يقول الدكتور الصليبي عن الديانة الأصلية التي تديّن بها بنو إسرائيل من العرب البائدة .
مع العلم أن معتنقي الديانة اليهودية الحالية هم بأغلبيتهم المطلقة من غير الأصول السامية.
_ قصة عيسى ابن مريم القرآنية : حيث يمكن لنا أنَ نتلمس عودة ديانة الأنثى / الأم إلى الظهور في قصة عيسى ابن مريم القرآنية ونتلمس مضمونها أيضا في عقيدة الكنيسة الشرقية حين تعتبر السيدة مريم العذراء "حوّاء الأولى الجديدة" وأيضا تعتبر السيد المسيح "آدم الأول الجديد" .
خاص بوهيميا
..