العقدة الشرق أوسطية

اخبار العالم العربي

لقد تغير مشهد الميزان السياسي في الشرق الأوسط نتيجة لأحداث "الربيع العربي"، لكن من غير المفهوم بتاتا في أي اتجاه ستسير الأمور وما النتائج التي ستخلفها أحداث العنف الجارية.

هناك بعض الحقائق الثابتة:

1. غطت العالم العربي "موجة إسلامية"، إذ برز ذلك في دولتين من ثلاث دول أطيح بأنظمتها القديمة هما تونس ومصر، ليصبح مؤكدا دور الإسلاميين المهيمن. فالمسألة تكمن في مدى إمكانية بقاء اليد الطولى للقوى المعتدلة أو للقوى المتطرفة داخل هذا التيار الجارف. لكن في ليبيا، وعلى الرغم من جميع التوقعات، لم يتمكن الإسلاميون من الفوز في الانتخابات. وهناك دول لم تتعرض منظومتها السياسية إلى أي أذى، وهذا يرجع بشكل أساسي إلى الاحترام الذي تتمتع به الأنظمة الملكية، كما في الأردن والمغرب، حيث اضطرت السلطات هناك إلى إجراء إصلاحات ليبرالية أدت بشكل طبيعي إلى تعزيز مواقف الإسلاميين مرة أخرى. وفي النهاية لم تحصل أية تغييرات جدية في دول الخليج العربية، عدا المحاولة الوحيدة من نوعها في البحرين التي أجهضها تدخل المملكة العربية السعودية.

2. تأثرت هيبة ونفوذ الدول التي خرجت من الاضطرابات بشكل ملموس. والحديث يدور هنا حول مصر وسورية وليبيا و تونس، البلدان التي لم يكن لها تأثير كبير على الوضع الحقيقي في المنطقة. لأن انهيار الاقتصاد وعدم الاستقرار السياسي وعدم وضوح المستقبل، كل ذلك لا يسمح لا لمصر ولا لسورية الإدعاء بقيادة المنطقة. وتضاف على ذلك الاخفاقات التي رافقت الفلسطينيين على مدى العقد الماضي بسبب النتائج السلبية للانتفاضة المسلحة، وغياب أي تقدم في مسألة إقامة الدولة الفلسطينية، وعدم قدرة فتح وحماس على تخطي الخلافات. من هنا نجد أن القوى التي كانت حتى فترة قصيرة مؤثرة وديناميكية في الشرق العربي قد تدهورت بشكل كبير ومفاجئ، مما أظهر فراغا في القيادة. من الطبيعي أن نرى في مثل هذه الظروف تقدم السعودية لشغل هذا الدور.

إن نشاط الرياض خلال الأحداث المسماة بـ "الربيع العربي" أذهلت الكثير من المراقبين، وأضيفت إلى ذلك الطاقة منقطعة النظير التي تبذلها دولة قطر والتي تحولت بشكل مفاجئ وسريع إلى حليف فعال جدا وشريك للسعودية، لتصبح بذلك "يدها الطولى".

عمليا لعبت السعودية بالإضافة إلى قطر دور القوة الخارجية الرئيسية أثناء الحرب في ليبيا بعد دور حلف الناتو. لكن بشكل عام، لا يجوز اعتبار نتائج "الربيع العربي" إيجابية بالمطلق بالنسبة للرياض. ولا يمكن أن تكون هناك ثقة بأن الجيل الجديد من الإسلاميين لن يوجه النداء للقوى التقليدية القديمة المتداعية التي تطالب بلعب دور مركز القوة والنفوذ الإسلاميين. ليس من قبيل الصدفة أن ينشأ مثل هذا الوضع المتناقض للوهلة الأولى كمجابهة السعودي الوهابي بن لادن والملكية الوهابية السعودية. فبالنسبة لـ"القاعدة" مازالت تعتبر العائلة السعودية هي العدو القاتل. مع ذلك، ليس بالجديد المجابهة بين الإسلاميين "القدماء" و"الجدد" في العالم العربي، فهي مشكلة قديمة جديدة. على مدى سنين عدة، توجه السعودية التي تلعب مع قطر دورا مهيمنا في الجامعة العربية، جهودها لمواجهة عدوها الرئيسي جمهورية إيران الإسلامية التي أعلنت الحرب منذ بداية ثورتها الإسلامية على "الحكام الشريرين والفاسدين" في العالم الإسلامي. ففي عام 2008، أعلن الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز آل سعود في برقية أرسلها إلى السفير الأمريكي في الرياض أنه "يجب قطع رأس الأفعى الفارسية". بهذه العبارة نقترب من مسألة المواجهة الأساسية بين الدول العربية السنية في منطقة الخليج وكذلك الأردن من جهة، وإيران الفارسية الشيعية بشكل أساسي من جهة أخرى. المسألة هنا ليست مجرد خلافات تعود إلى ألف عام بين تفسيرين للإسلام، بقدر ما هي تتعلق بالسياسة أصلا. لن تنسى الممالك العربية السنية نداءات آية الله الخميني لقلب "الحكام الأشرار" في كل مكان من العالم الإسلامي. من الجدير بالذكر أن الخميني لم يشر يوما إلى أن الثورة الإسلامية في إيران ذات طابع شيعي، حيث كان يستند دائما إلى محتواها الإسلامي العام، وبهذا يكمن التهديد في توسع الثورة الإيرانية بالنسبة للملوك والرؤساء العرب. على الرغم من أن الحرب مع العراق وموت الخميني أبعدتا هذا الخطر لسنوات طويلة، إلا أن الرئيس أحمدي نجاد أعاد الصراع مرة أخرى من أجل روح العالم الإسلامي بمباركة الزعيم الروحي آية الله خامنئي.

إن أحمدي نجاد وضع نصب عينيه مهمة السيطرة على الشارع العربي واستقطاب العرب الذين فقدوا عمليا زعماءهم التقليديين بعد رحيل الشخصيات المشهورة مثل جمال عبد الناصر والملك الأردني الحسين بن طلال وحافظ الأسد وياسر عرفات، واستطلع تحقيق هذه المهمة. المأثرة الحقيقية التي لا مثيل لها في تاريخ إيران، هي إنشاء الدولة الفارسية الشيعية وتخطي الكراهية التاريخية بين العرب والفرس والشيعة، والقدرة على جعل إيران زعيمة ما يسمى "المقاومة العربية ضد الإمبريالية والصهيونية". من هنا يتبين أن أحمدي نجاد استطاع التوصل إلى ما عجز عن التوصل إليه صدام حسين بتحويل بلده إلى طليعة "الشرق العربي الثائر".

وهذا بالتحديد ما جعل إيران العدو الرئيسي للسعودية ودول الخليج وحتى الأردن. وإذا ما صدقنا كلمات الدعاية الرسمية، فإن جميع هذه الدول تقف ضد إسرائيل وتفكر فقط بتحرير فلسطين. بالفعل، إن هذا المزاج هو السائد لدى المجتمع والشارع العربيين، بينما رؤساء هذه الدول لا يحسبون لإسرائيل أي حساب، فالعدو الرئيسي بالنسبة لهم هو إيران، حاملة "فيروس الثورة". إن مسألة تنحية نظام الأسد في سورية، الذي يعتبر منذ فترة طويلة الشريك الرئيسي لطهران في منطقة الشرق الأوسط، ضرورية لهم وذلك لسبب رئيسي، ألا وهو إضعاف إيران، وقطع التأثير الإيراني على الشرق العربي. وهذا هو السبب الرئيسي للموقف المعادي للأسد من قبل الجامعة العربية، التي تؤثر عليها كل من قطر والسعودية.

وإذا ما عدنا إلى تركيا، فإنه حتى وقت قريب، كان ينظر إليها في العالم الإسلامي على أنها دولة خارجية، تتبع أوروبا أكثر منه إلى العالم الإسلامي. لكن كل شيء تغير بعد وصول أردوغان إلى السلطة. حيث بدأت تركيا المزدهرة بتجميع قواها، والتقدم نحو ساحة الشرق الأوسط بخطى واثقة، تحصد المزيد من التعاطف بفضل قيادتها الإسلامية بالدرجة الأولى، حتى ولو كانت معتدلة. بالإضافة إلى ذلك، أقحمت تركيا نفسها في عملية الصراع من أجل الهيمنة الإقليمية، إذ وقفت بثبات إلى جانب الفلسطينيين وقضيتهم عندما قطعت علاقاتها مع إسرائيل بشكل استعراضي، دون إخفاء عزمها أن تصبح عملاق المنطقة. ومن أجل ذلك يتوجب عليها أن تخطف راية الريادة وطليعة "المقاومة العربية" من يد إيران. إن مثل هذه الخطوة في هذا الاتجاه لا يمكن أن تضعف إيران كمنافس رئيسي، وذلك عبر تحويل شريكها الرئيسي سورية إلى فلكها. من الممكن التوصل إلى ذلك فقط عن طريق تغيير النظام السوري الحالي. من هنا، أثار الموقف التركي الكثير من الاستغراب والاستهجان، عندما تحول من الصداقة التقليدية المتينة مع سورية إلى موقف عدائي حاد تجاه النظام الحاكم في دمشق. ومع ذلك، لا يجوز تجاهل سنية تركيا وأن أنقرة ليس على هذا الأساس تعتقد بأنه من السهل عليها إيجاد لغة مشتركة مع القيادة السنية الجديدة في سورية مقارنة بإيران الشيعية. هنا مصالح تركيا تتطابق مع مصالح الدول الغربية و مصالح جامعة الدول العربية. منذ البداية كرر زعماء الولايات المتحدة والدول الغربية مقولة وجوب رحيل الأسد، مستندين بذلك على شخصية الأسد بالتحديد، لأنهم كانوا على يقين من أن رحيله ليس نهاية النظام. ففي سورية لن يمر الخيار التونسي والمصري، حيث جاء الجنرالات إلى الرئيس وقالوا له إن البلد يموت و يجب عليك التنحي، فيتنحى، لكن تبقى المنظومة نفسها التي من أجلها من الممكن التضحية بالشخصية المركزية. المواطنون هناك كما في ليبيا متجانسون عرقيا ودينيا. لكن الوضع في سورية مختلف تماما، و مسألة إزاحة الرئيس سوف يجري استقبالها في البلاد مباشرة كانهيار للسلطة العلوية، وذلك كما حصل في العراق، كل شيء سينقلب رأسا على عقب، من كان في الأخر يصبح في المقدمة، (على الرغم من أنه يصعب تسمية رجال الأعمال والتجار السنة بالأخيرين، لأنهم يشكلون الطبقة التجارية المهيمنة في المدن الرئيسية مثل دمشق و حلب). إن إبعاد الصبغة العلوية عن سورية صدمة مروعة محفوفة بالمخاطر، وفي كل الأحوال لن تهرب المنظومة الموجودة منذ عام 1969. وهذا ما يسعى إليه أعداء الأسد، يبدو وكأنهم يوجهون نيرانهم نحوه، لكنهم في الحقيقة يصوبون نحو منظومته.

لا يجوز تسمية بشار الأسد بالديكتاتور الدموي كالراحل صدام حسين. فالأسد ربما يكون الأول من بين المساويين له في إطار المنظومات شبه السلطوية وشبه الشمولية. من غير المعلوم من الأقوى، الرئيس أم عائلته، أقربائه وإخوته من أمثال ماهر و مخلوف وغيرهم من الذين تزعموا الطائفة العلوية على مدى أكثر من 40 عاما. إن الذنب الرئيسي لنظام الأسد، هو علاقته المميزة مع إيران.علما أن الجوهر الشيعي للعلويين مسألة جدلية. فان الشيعة الملتزمين الاثني عشرية المؤمنين بمستقبل عودة الإمام الشيعي الثاني عشر المختفي، يعتبرون العلويين ليسوا شيعة. لكن المسألة لا تتعلق بالفكر كفكر، البعثيون السوريون لم يكونوا في يوم من الأيام متطرفين أو جهاديين، ومن المستبعد أن يكونوا قريبين من أفكار الخميني أو خامنئي. لكن الروح السياسية لديهم مشتركة، وهي العداء لأمريكا وللصهيونية ودعم المطالب الفلسطينية. مع ذلك، يجب ألا ننسى قضية مرتفعات الجولان التي احتلتها إسرائيل من سورية في العام 1967. بعد ذلك، ظهر المحور الإيراني السوري، و بدأت إيران عبر سورية بتسليح منظمات مثل "حزب الله" و"حماس" المعاديتين لإسرائيل، وبالتالي أعداء الولايات المتحدة أيضا. إذن، التخلص من نظام الأسد يعني بالنسبة لواشنطن قطع طرق إمداد مجموعات المتطرفين العرب. وعلى هذه الخلفية يظهر السؤال الدائم، من سيحل محل الأسد؟ على الأغلب، "الإخوان المسلمون". من هنا تبدأ ازدواجية علاقة الولايات المتحدة وإسرائيل بالنسبة للأحداث في سورية. من جهة، تبدو مسألة إضعاف "حزب الله" و"حماس" مغرية بحرمانهم من داعمهم الإيراني والأهم حرمانهم من الصواريخ الإيرانية. من جهة أخرى "الشيطان الذي تعرفه أفضل من الشيطان الذي لا تعرفه". فالحدود السورية الإسرائيلية مازالت على مدى عشرات السنين هادئة ولم تطلق منها رصاصة، وفي حال استولى المتطرفون السنة على السلطة في دمشق قد يحاولون نقل التناقضات حول مرتفعات الجولان إلى سياق "الحرب الشعبية".

وبالحكم على كيفية تصرف الدبلوماسية الغربية وبالدرجة الأولى الدبلوماسية الأمريكية، فإن فكرة الإطاحة بالنظام السوري الحالي وعزل إيران مازالت هي الطافية على السطح، مفضلين إغلاق عيونهم عن مستقبل سورية. بينما جهود روسيا المتركزة نحو الحيلولة دون حدوث حرب أهلية واسعة النطاق في سورية والتوصل إلى اتفاق مع المتمردين، اصطدمت بجهود خفية أحيانا وعلنية أحيانا أخرى لقوى تسعى إلى رحيل النظام السوري بدون قيد أو شرط.

الكاتب: غيورغي ميرسكي، المصدر: "آسيا وأفريقيا في السياسة الحديثة"

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)

comments powered by HyperComments

لتثبيت التطبيق اضغط هنا

قم بإضافة تطبيق "RT Arabic" على متصفح اوبيرا (Opera) لتسهيل متابعة وقراءة اخر الاخبار من موقع قناة "RT Arabic". مع هذا التطبيق ستكون على علم بأخر الاخبار العربية والعالمية.

لتثبيت التطبيق اضغط هنا

قم بإضافة تطبيق "RT Arabic" على متصفح كروم (Chrome) لتسهيل متابعة وقراءة اخر الاخبار من موقع قناة "RT Arabic". مع هذا التطبيق ستكون على علم بأخر الاخبار العربية والعالمية.

لتثبيت التطبيق اضغط هنا

قم بإضافة تطبيق "RT Arabic" على متصفح موزيلا (Firefox) لتسهيل متابعة وقراءة اخر الاخبار من موقع قناة "RT Arabic". مع هذا التطبيق ستكون على علم بأخر الاخبار العربية والعالمية.