الأكراد، و سورية .. واللعبة الكبيرة

اخبار العالم

منذ  شهر آذار / مارس من العام الحالي، وفي خضم الأزمة المحتدمة  في سورية وحول ايران ، تدور أحاديث في بعض الأوساط عن "غرب كردستان "، أي المنطقة التي تقع في شمال سورية، على مقربة من الحدود مع تركيا. وفي وقت سابق عقد مطلع العام  2012، في أربيل عاصمة كردستان العراق،  مؤتمر للقوى الكردية السورية المعارضة، تقرر فيه تشكيل ادارة ذاتية للأكراد في شمال - شرق سورية، بعد اطاحة نظام الأسد.

وقامت السلطات التركية بالرد مباشرة، فأعلن رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان، ضرورة انشاء مناطق آمنة في محافظتي ادلب والرقة السوريتين، لانقاذ السكان المدنيين من القمع. وأن ذلك يتطلب تدخلاً من الجيش التركي. وفي حال تنفيذ أنقرة مخططها في انشاء "مناطق آمنة"، فان مقاتلي الجيش السوري الحر، سيحصلون على قاعدة ممتازة لشن عملياتهم العسكرية ضد الجيش السوري النظامي، وعلى ساحة لتدريب الجماعات المسلحة باشراف الخبراء الغربيين.

وفي حال ظهور كيان سياسي جديد، كاقليم "غرب كردستان"، (يطلق الأكراد هذا المصطلح تاريخياً، على المنطقة الحدودية بين سورية وتركيا). فان تركيا ستواجه خطراً جديداً، بالاضافة الى الخطر الذي يشكله عليها حالياً اقليم "كردستان العراق" (منطقة الحكم الذاتي لجنوب كردستان)، . ويبين المثال الليبي أن المناطق المستقلة، التي تظهر في هذا البلد أو ذاك نتيجة  حروب "التحرير"، من الصعب بمكان اعادتها الى سيطرة الدولة المركزية، ولذلك لا تستطيع تركيا، الا أن تتدخل للسيطرة على عملية تشكيل كردستان الغربية، وان لم تفعل ذلك فستواجه خطر التفكك والانحلال كدولة. إن انشاء كيان كردي جديد في شمال - شرق سورية، لن يكون الا خطوة على طريق قيام كردستان الكبرى.

وجاء رد الفعل الكردي على أنقرة على جناح السرعة، فأعلن قادة حزب العمال الكردستاني، أن تدخل القوات التركية في سورية،" سيحول كردستان كلها إلى منطقة للعمليات العسكرية". وهو ما أكده القائد الميداني لقوات حزب العمال الكردستاني مراد كارايلان، في تصريح لوكالة أنباء "فيرات". لقد أعطت تلك التصريحات، الفرصة لخصوم حزب العمال الكردستاني، لاعتبار موقفه المذكور  تآمراً، واتفاق خيانة مع بشار الأسد. ومن المثير للاهتمام، أن الأحداث والتطورات الحاصلة ضمن صفوف المعارضة السورية تؤكد الاتهامات التي وجهت لحزب العمال الكردستاني، حول "تآمره" مع نظام الأسد. وهنا تجب الاشارة الى المؤتمر الكبير الذي عقدته المعارضة السورية في نهاية شهر آذار / مارس في اسطنبول، حيث انسحبت القوى الكردية منه مسببة شرخاً جديداً في صفوف القوى السورية المعارضة، التي تعاني بالأصل من التشرذم. ورغم النداءات التي أطلقها الغرب لحث الأكراد على المشاركة بنشاط أكبر في النضال ضد نظام الأسد، يبدو أن الأكراد لا يستعجلون الانخراط في المعركة.

وثمة  أمر يلفت الانتباه، هو أن القيادة الكردية لم تلقَ تفهماً لدى الشركاء العرب في ما يتعلق بمكانها ودورها في حال إطاحة نظام بشار الأسد. وبكلام أكثر بساطة، يرغب الأكراد بالحصول على ضمانات محددة لحقوقهم، غير أن المعارضة لا تقدم هذه الضمانات. وطالما كان الأمر كذلك، فبالنسبة للأكراد لا معنى لحمل السلاح ضد الحكومة، لا سيما وأن بشار الأسد قام منذ بداية الاضطرابات بعدد من الخطوات باتجاه الأكراد، ملبياً بعض مطالبهم. ومن الضروري أن نشير إلى أن إعلان استقلال غرب كردستان، وكردستان العراق وإيران سيثير كافة المناطق الكردية. أما اتحاد المناطق التي تعلن استقلالها فسوف يؤدي إلى تحقيق الحلم الكردي القديم بإقامة كردستان الكبرى.

وهنا ينبغي أن نتذكر حليفاً جدياً للأكراد هو الولايات المتحدة الأمريكية. إن واشنطن تؤيد حلم كردستان الكبرى لأسباب مفهومة تماما، أولها أن الصداقة مع مسعود البرزاني وكردستان العراق عموماً، تعد عوناً  هاماً للأمريكيين في حل مشكلات العراق، فالمنطقة الكردية بالذات تحت السيطرة، وهي الأكثر استقراراً من جميع مناطق العراق الأخرى. وثاني هذا الأسباب، أن الشراكة الأمريكية الكردية عامل هام  لزعزعة الوضع في إيران، حيث يعيش كما هو معروف عدد من الأكراد يزيد على عددهم في العراق. والرهان الأمريكي على الأكراد يرمي إلى هدف ستراتيجي آخر، هو السيطرة على مناطق النفط والغاز في الشرق الأوسط. إن جنوب كردستان ذا الحكم الذاتي، والعلاقات الطيبة مع البرزاني تتيح للأمريكيين الأمل بالمحافظة على حضورهم العسكري في العراق حتى بعد انسحابهم من هذ ا البلد. ونشير بالمناسبة إلى ان الأمريكيين لم ينفوا حتى الآن الشائعات التي ترددت عن خطط البنتاغون لإقامة قاعدة جوية أمريكية في اقليم كردستان العراق، أو نقل قاعدة انجيرليك من منطقة الأناضول الشرقية في تركيا إلى هذا الإقليم..

وعند إجمال النتائج تجدر الإشارة إلى أن أحداث "الربيع العربي " أفضت إلى وضع أصبح فيه الأكراد إحدى أهم نقاط ارتكاز الولايات المتحدة لفرض سيطرتها على القوقاز وبحر قزوين والخليج. إن الأكراد الذين يحركهم أمل القرون بإقامة دولتهم، يبدون مصممين كل التصميم على ألا يفوتوا "الفرصة التاريخية"، وعلى الاستفادة القصوى من المكاسب التي يقدمها لهم تحالفهم الاستراتيجي مع الأمريكيين.

المصدر : موقع صندوق الثقافة الاستراتيجية . المؤلف : أندريه سيريخوف.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)

comments powered by HyperComments

لتثبيت التطبيق اضغط هنا

قم بإضافة تطبيق "RT Arabic" على متصفح اوبيرا (Opera) لتسهيل متابعة وقراءة اخر الاخبار من موقع قناة "RT Arabic". مع هذا التطبيق ستكون على علم بأخر الاخبار العربية والعالمية.

لتثبيت التطبيق اضغط هنا

قم بإضافة تطبيق "RT Arabic" على متصفح كروم (Chrome) لتسهيل متابعة وقراءة اخر الاخبار من موقع قناة "RT Arabic". مع هذا التطبيق ستكون على علم بأخر الاخبار العربية والعالمية.

لتثبيت التطبيق اضغط هنا

قم بإضافة تطبيق "RT Arabic" على متصفح موزيلا (Firefox) لتسهيل متابعة وقراءة اخر الاخبار من موقع قناة "RT Arabic". مع هذا التطبيق ستكون على علم بأخر الاخبار العربية والعالمية.