عودة بوتين وأسئلة في رسم المستقبل

اخبار روسيا، اخبار العالم

 وفق تقاليد صارمة، واهتمام بأدق التفاصيل الصغيرة، عاد الرئيس فلاديمير بوتين إلى الكرملين، بعد أربع سنوات كان فيها الغائب الحاضر في الأروقة والساحات، والاجتماعات التي تشهدها قاعات الكرملين الفخمة، وفيما كانت عقارب ساعات الكرملين تتحرك آكلة من زمن دميتري مدفيديف، كانت تقترب ساعة دخول القيصر من جديد رئيساً لمدة ستة أعوام.

قطع موكب الرئيس الجديد القديم المسافة من مكان عمله "المؤقت" في رئاسة الحكومة بأقل من المدة الزمنية المقررة في البروتوكول الصارم، والمؤكد أن السبب لم يكن تلهف بوتين إلى عودة كانت متوقعة منذ زمن، وربما كانت بسبب تكيف المحيطين به مع إيقاع عمله الذي لا يعرف الكلل أو الملل. وفي القاعات التي عبرها بوتين تغيرت كثير من الوجوه التي شاهدها في المرة الأولى عندما نُصب في العام 2000، وكان يلقي التحية يمنياً ويساراً، ويهدي ابتسامات ثمينة من حاكم روسيا الفعلي منذ بداية الألفية الحالية. خطوات الرجل الذي بات على مشارف الستين لم تؤثر بها السنون، وربما غدت أكثر ثقة من ذاك الصاعد الجديد إلى سدة حكم الكرملين قبل إثني عشر عاما ونيفا، وحينها كان السؤال الأهم من هذا الوافد الجديد، وكيف يمكن أن يتعامل مع تركة بوريس يلتسين الصعبة.

حقبة جديدة وأسئلة جديدة...

من هو السيد بوتين؟ سؤال أصبح في طي الماضي، فالعالم جرب الرجل وخبره طوال أكثر من عقد، وباتت أقواله، وقبلها أعماله تجيب عن جوانب كثيرة من السؤال، ففي سنوات صعود بوتين صعدت روسيا في مجالات عدة، فالدولة التي كانت على حافة الافلاس بعد أزمة أغسطس/ آب 1998 تغيرت تماماً، فالموازنة لم تعد أقل من موازنة مدينة نيويورك، بل باتت أكبر بعشرات المرات، وحجم الديون الخارجية يقترب من الصفر، واحتياطات النقد الأجنبي تربو عن نصف تريليون دولار، وانتهت حقبة الاصلاحيين والعلاج بالصدمة إلى غير رجعة، وتبدو موسكو مدينة غير تلك التي كانت في تسعينات القرن الماضي، وتسعى لتكون احدى عواصم المال والأعمال في العالم. وفي الشوارع تبدو وجوه الناس مرتاحة، وتتنافس الشركات التجارية والصناعية، والمصارف العالمية لافتتاح فروع لها في روسيا.

وفي المقابل أكد معارضون قبل يوم من مراسم التنصيب أنهم يريدون "التنغيص" على المراسم، ولعلهم كانوا محقين في استخدام هذا المصطلح، فقوتهم في الشارع بدأت تخبو رغم ما شهدناه في الأشهر الأخيرة من تظاهرات تهدد مكانة "زعيم الأمة" المعنوية. ومن الصعب تخيل ما يدور في ذهن بوتين، وربما يشغل باله السؤال التقليدي ما العمل؟ فالوصول إلى القمة صعب لكن الأصعب هو المحافظة عليها، ومما لاشك فيه أن الرئيس الجديد لا يسقط من حساباته المشكلات التي يمكن أن تعترض طريقه في تحقيق مخططات تطوير البلاد والمحافظة عليها وصونها كما أقسم للمرة الثالثة، ولعل الأهم هو اثبات أن العودة إلى الكرملين تصب في مصلحة البلاد التي أنقذها من الأزمات الاقتصادية والسياسية طوال السنوات الماضية منذ لحظة صعوده، وليست من باب الاستئثار بالحكم.

الاقتصاد والديموغرافيا على رأس التحديات...

لعب ارتفاع أسعار النفط  في مصلحة بوتين منذ بداية فترته الرئاسية الأولى، لكن مواصلة الاعتماد على صادرات الطاقة والخامات لن يمنح روسيا الدفعة المطلوبة لتحقيق معدلات نمو مرتفعة، وربما تدخلها في أزمات عميقة في حال تراجع الأسعار في الأسواق العالمية، وهو أمر لا يمكن استبعاده مطلقاً في تعاقب الدورات الاقتصادية، وفي السنوات الأخيرة لم ينقطع الحديث عن ضرورة تنويع الاقتصاد وتحديثه، لمواجهة هذه المخاطر، وتملك روسيا فرصة كبيرة لانجاز هذه المهمة، خصوصاً أن فترة الرئيس مدفيديف وضعت أسساً نظرية وقانونية واضحة لتحديث الاقتصاد، ومكافحة الفساد المستشري.

وفي قضية متصلة يدرك بوتين أن حل القضية الديموغرافية وتناقص السكان هو مسألة ذات أولوية قصوى، فتناقص السكان السنوي مستمر، ورغم كل الجهود المتواصلة يتراجع عدد سكان روسيا عاماً بعد آخر، وتزداد الهجرة من الأرياف باتجاه المدن المتوسطة والكبيرة، ولا يمكن فصل تطوير الاقتصاد وتحديثه عن ايجاد حلول للأزمة الديموغرافية، وهجرة الأدمغة إلى خارج روسيا، وهي قضية تتصل بالأمن القومي لروسيا أيضاً، ففي حال استمرار الأمور على هذه الحال يمكن أن تتغير التركيبة الديموغرافية بفعل موجات الهجرة من الخارج، وهي هجرات لن يكون الاستغناء عنها سهلاً فهي تؤمن مزيداً من الأيادي العاملة التي تحتاجها البلاد في حال استمرار تراجع الولادات، وزيادة الوفيات.

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان...

تكفي مراجعة سريعة لمؤشرات الحياة في روسيا في السنوات الأخيرة ومقارنتها مع سنوات التسعينات حتى ندرك الفرق الكبير، ونلاحظ الانجازات الكبيرة للسلطة تحت قيادة بوتين، ولكن الواقع في السنة الأخيرة بيّن تراجعاً كبيراً في تأييد حزب السلطة "روسيا الموحدة"، وشهدت مدن روسية عدة تظاهرات غير مسبوقة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، والملاحظ أن قادة الاحتجاجات والمشاركين فيها هم من أبناء الطبقة الوسطى التي قوي ساعدها أثناء فترة حكم بوتين، وقد هزت هذه الاحتجاجات صورة "زعيم الأمة"، ومما لاشك فيه أنه بغض النظر عن حجم المعارضين ، فإن بوتين سوف يكون مضطراً في الفترة المقبلة للتعامل مع مطالبهم، وسحب الحجج منهم عبر تسريع عملية تحديث الاقتصاد، وإيجاد حلول أكثر نجاعة للفساد، ولعل الأهم هو منح مزيد من الحريات، وهنا لا بد من تذكر احدى مقولات مدفيديف "الحرية أفضل من عدم الحرية"، وربما تكون هذه المقولة مفتاحية في الحقبة المقبلة.

مصير الثنائي بوتين- مدفيديف

أوفى بوتين بوعده بعد ساعات من تنصيبه رئيساً، ورشح مدفيديف لرئاسة الحكومة، ومن المقرر أن يحظى الترشيح بموافقة مجلس الدوما (البرلمان الروسي) نظراً لاعلان حزب روسيا الموحدة والحزب الليبرالي الديمقراطي تأييدهما ترشيح مدفيديف، ولكن السؤال المطروح هو حول مدة استمرار الثنائي في الحكم سوية في ظل تراجع شعبية حزب السلطة، وزيادة حركة المعارضة في الشارع، كما أن التوقعات تشير إلى أن الاقتصاد الروسي استنفذ عوامل النمو في حال مواصلته الاعتماد على تصدير الطاقة والخامات، ولهذا فالواضح أن استمرار الثنائي مرهون لتحقيق معدلات نمو جيدة، والاسراع في تحديث الاقتصاد، ومحاربة الفساد الاداري، إضافة إلى حل عدد من المشكلات الاجتماعية المتفاقمة.

ورغم إسراع بوتين إلى ترشيح مدفيديف لمنصب رئيس الحكومة، فإن أوساطاً واسعة في موسكو مازالت تعتقد أن الثنائي الحاكم معرض للشرخ في الفترة القريبة المقبلة، ويرى معارضون أن بوتين سوف يضطر إلى أن يجعل من صديقه "كبش فداء" في حال ازدياد قوة المعارضة، أو عدم تحقيق نتائج سريعة في المجال الاقتصادي.

ما العمل؟ جواب بوتين هو العمل...

 رغم أن بوتين يعود إلى الكرملين للمرة الثالثة، لمدة ست سنوات بدلاً من أربع، فإنه لم يمنح نفسه أي إجازة،  وشرع بالعمل مباشرة عبر التوقيع على مراسيم، بعضها يعد تنفيذا لوعود انتخابية، وأخرى يحدد فيها مواعيد نهائية لوضع برامج عمل واستراتيجيات في المجالات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسة الخارجية لروسيا، والواضح أن بوتين يواصل العمل بطريقته المعتادة، فيما يتغير السؤال، من هو بوتين؟ إلى هل مازال "زعيماً للأمة"؟  والسؤال هو كيف سوف تكون روسيا في العام 2018؟

سامر الياس

(المقالة تعبر عن رأي الكاتب، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن فحواها)

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)

comments powered by HyperComments

لتثبيت التطبيق اضغط هنا

قم بإضافة تطبيق "RT Arabic" على متصفح اوبيرا (Opera) لتسهيل متابعة وقراءة اخر الاخبار من موقع قناة "RT Arabic". مع هذا التطبيق ستكون على علم بأخر الاخبار العربية والعالمية.

لتثبيت التطبيق اضغط هنا

قم بإضافة تطبيق "RT Arabic" على متصفح كروم (Chrome) لتسهيل متابعة وقراءة اخر الاخبار من موقع قناة "RT Arabic". مع هذا التطبيق ستكون على علم بأخر الاخبار العربية والعالمية.

لتثبيت التطبيق اضغط هنا

قم بإضافة تطبيق "RT Arabic" على متصفح موزيلا (Firefox) لتسهيل متابعة وقراءة اخر الاخبار من موقع قناة "RT Arabic". مع هذا التطبيق ستكون على علم بأخر الاخبار العربية والعالمية.