وقف امدادات الغاز المصري إلى إسرائيل.. آثار اقتصادية واضحة وآفاق سياسية مفتوحة

مال واعمال، اخبار العالم، اخبار العالم العربي

وقف امدادات الغاز المصري إلى إسرائيل..  آثار اقتصادية واضحة وآفاق سياسية مفتوحة
وقف امدادات الغاز المصري إلى إسرائيل.. آثار اقتصادية واضحة وآفاق سياسية مفتوحة

يصب وقف تصدير الغاز إلى إسرائيل في مصلحة الشعب المصري، ويدعم مخططات النمو الاقتصادي في مرحلة حرجة تعيشها مصر، ومن الطبيعي أن يثير الحدث جدلاً واسعاً حول أسباب إلغاء عقد التصدير، وانعكاساته على مستقبل السلام البارد بين البلدين الذي دخل في منطقة الخطر، بعدما تعرض لهزات كبيرة إثر نجاج ثورة 25 يناير2011 الاطاحة بـ"كنز إسرائيل الاستراتيجي" حسني مبارك، ورغم تأكيد الطرفين أن القرار تجاري، فإن حساسية الموضوع تشير إلى أنه لم يُتخذ دون موافقة سياسية.

عقد يشوبه الفساد والغموض...

تزود مصر إسرائيل بنحو (1,7) مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، ما يمثل نحو 40 في المئة من احتياجات الدولة العبرية من الغاز الطبيعي، ووقعت العقد شركة المتوسط مع شركات إسرائيلية في العام 2005 لمدة عشرين عاماً، ويمثل العقد أهم ثمرة اقتصادية لاتفاقات كامب ديفيد للسلام الموقعة في العام 1979 في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات. ورغم أن أطرافاً كثيرة تربط بين التغيرات في مصر بعد الثورة وإلغاء العقد فإن الواقع يبين أن اعتراضات كبيرة بدأت قبل ذلك بكثير، خصوصاً في ظل التكتم على بنوده، وعدم خضوعه لمصادقة مجلس الشعب. وكانت قضية بيع الغاز الى اسرائيل أحد مواضيع الانتقاد المركزية التي يوجهها معارضو النظام للرئيس مبارك منذ سنوات سيما أن السعر الذي حصلت عليه الشركة الاسرائيلية منخفض جداً، ويحرم مصر من مداخيل مهمة، ويضطرها إلى استخدام مصادر أكثر كلفة لانتاج الكهرباء، وتوجه اتهامات إلى مالك شركة شرق المتوسط الملياردير المصري الهارب حسين سالم بدفع رشى لعائلة مبارك كي يحصل على امتياز تصدير الغاز، كما أن البدو في سيناء يشتكون من أن منشآت الغاز والانبوب أقيمت على اراضيهم وأنهم حتى الآن لم يتلقوا التعويضات التي وُعدوا بها. وغدا اتفاق أحد بنود الاتهام التي يُقدم بموجبها الى المحاكمة الرئيس مبارك  والمقربين منه، وهو ما دفع القيادة الجديدة إلى التعهد باعادة النظر في سعر الغاز  المصدر إلى إسرائيل والحصول على سعر حقيقي وفق الأسعار العالمية المتداولة.

نفي للأسباب السياسية...

قلل الجانبان المصري والإسرائيلي من الأبعاد السياسية لقرار وقف تصدير الغاز، وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن أسباب إلغاء الاتفاق يعود إلى نزاع تجاري وليس دبلوماسياً، وأنه غير ناجم عن تطورات سياسية، بل حصل بسبب نزاع بين الشركة الإسرائيلية ونظيرتها المصرية.

وعلى رغم ترحيب معظم السياسيين والأحزاب بالخطوة المصرية، إلا أن أكثر الآراء تنحى إلى تغليب الجانب التجاري على السياسي في أسباب وقف تصدير الغاز الذي كان يباع بأسعار تفضيلية للجانب الإسرائيلي لتربيح رجال أعمال نافذين في عصر مبارك على حساب الشعب المصري. وأوضحت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي المصرية فايزة أبو النجا أن الأمر يتعلق بعدم السداد، وأن "الطرف الموقع مع الجانب المصرى لم يلتزم بالالتزامات المالية المدرجة ببنود العقد وتم اخطاره خمس مرات ... ولم يتم السداد".  وأكدت أبو النجا أن مصر "مستعدة لعقد اتفاق جديد بشأن تصدير الغاز لجارتها وان النزاع بين شركتين وليس بين دولتين".

وقال وزير البترول والثروة المعدنية عبد الله غراب "الاجراء الذي تم بشأن عقد تصدير الغاز لاسرائيل لا يخرج عن كونه خلافا تجاريا ولا تحكمه أي اعتبارات سياسية ولا يعكس أي توجهات سياسية."

واللافت أن المرشحين البارزين في الانتخابات المصرية لم يعمدوا إلى استغلال الموضوع في حملاتهم الانتخابية وتميزت تصريحاتهم بالهدوء إذ اعتبر المرشح الرئاسي عمرو موسى أن وقف تصدير الغاز لاسرائيل "خطوة طبيعية في ضوء المعلومات الخاصة بالفساد الذي شاب هذه الصفقة."

وقال المتحدث باسم جماعة الاخوان المسلمين محمود غزلان، التي  تستأثر بالأغلبية في البرلمان، إن القرار "ممتاز"، وأكد أنه لا علاقة له بمعاهدة السلام، وأوضح أن مصر تحتاج الى مزيد من الغاز للاستهلاك المحلي.

مكاسب مصر الاقتصادية...

قدرت دراسات أولية لبعض الخبراء أن وقف تصدير الغاز إلى إسرائيل يوفر على الخزانة المصرية نحو 700 مليون دولار سنوياً، وأن الاقتصاد المصري سوف يستفيد من إلغاء العقد كثيراً، ويساعد في دعم مخططات الحكومة لتحقيق نمو اقتصادي متوازن، يؤمن فرص عمل وهو ما يتطلب زيادة استهلاك الطاقة داخلياً، ما يعني أنه من الأفضل لمصر وقف تصدير النفط والغاز إلى الخارج، ولا يستبعد خبراء  أن تضطر مصر مستقبلاً إلى استيراد الطاقة لتحقيق متطلبات اقتصادها في حال نجاحها في تحقيق النمو.

وتشير تقديرات إلى أن مراجعة العقود الموقعة مع إسرائيل واسبانيا وإيطاليا والأردن وفقاً للأسعار المتداولة سوف يدرُّ نحو 18 مليار دولار للخزانة المصرية، حسب تصريحات برلمانيين مصريين في وقت سابق، لأن الأسعار بمقتضى العقود الموقعة سابقاً كانت مجحفة بحق مصر، ويشوبها الفساد.

ويمكن أن تخفف مصر من فاتورة دعم المحروقات التي من المتوقع أن تصل في موازنة العام المالي 2012-2013 إلى نحو 20 مليار دولار، وتخفيف استيراد المشتقات النفطية مثل البنزين والسولار والمازوت، ويرى خبراء أن من غير المنطقي أن تستورد مصر المازوت الملوث للبيئة والأغلى ثمناً وتقوم في نفس الوقت بتصدير غازها الطبيعي.

إسرائيل: تأثيرات مؤقتة وبدائل في المستقبل القريب

عانت إسرائيل طوال العام الماضي من انقطاع امدادات الغاز الطبيعي  من مصر، وتوقفت الامدادات نحو 200 يوم نتيجة 14 تفجيراً في خط نقل الغاز عبر سيناء ومن ثم إلى عسقلان تحت البحر من مدينة العريش، واضطرت محطات الكهرباء الإسرائيلية إلى استخدام المازوت والفحم الحجري في عمليات توليد الطاقة، ورغم حالة الانتظار في إسرائيل وتوقع وقف الامدادات في أي لحظة منذ سنتين إلا أن قطاع الطاقة فيها سوف يتأثر كثيراً على المدى القصير، وسوف تضطر إلى اعتماد خطة طوارئ لتخفيف الآثار المترتبة على إلغاء عقد تصدير الغاز. ورغم أن الخبر لم يكن مفاجأة للإسرائيليين، وأنهم اعتادوا على الواقع الجديد في السنة الأخيرة، وبدأوا فعليا في البحث عن بدائل، إلا أن التأثيرات المباشرة سوف تكون في رفع أسعار الطاقة داخليا ما يزيد من متاعب الاقتصاد الإسرائيلي، ويشكل ضغوطا إضافية على حكومة نتانياهو.

 وتتمثل الفترة الصعبة في تأمين البدائل حتى أبريل/ نيسان 2013 موعد بدء االانتاج في حقل تمارا  الغازي الضخم على شواطئ المتوسط، وبدأت إسرائيل في أعمال استغلال الحقل المذكور رغم الخلافات مع لبنان وقبرص حول حقوق استغلاله مع حقل آخر هو لوثيان الذي تخطط إسرائيل البدء في  استغلاله عقب أعمال البحث والتنقيب والحفر في 2017. وتسبب وقف الامدادات في تسريع العمل في استغلال حقل تمارا، ووقعت محطات انتاج الكهرباء وشركات إسرائيلية عقوداً بمليارات الدولارات لشراء الغاز مع التحالف المكلف باستغلال الحقل والذي يتكون من شركة نوبل إينريجي الأمريكية وديليك إينيرجي الإسرائيلية.

وشرعت إسرائيل في بناء ميناء لاستيراد الغاز المسيل، وطالبت شركات التنقيب بتسريع أعمال الحفر في حقول أصغر يمكن استغلالها بسهولة أكبر، وتنوي استيراد عدد كبير من مولدات متنقلة للحيلولة دون انقطاع الكهرباء هذا الصيف.

زوبعة في فنجان أم بداية لمراجعات أكثر عمقاً...

حظيت الخطوة المصرية بترحيب شعبي واسع في مصر والعالم العربي، ورأى بعض السياسيين والمحللين العرب أنها تمهد لتغيير في الموقف المصري من معاهدة السلام مع إسرائيل، وذهب آخرون إلى أن الضجة المفتعلة حول القضية تعود إلى الظروف التي تعيشها مصر والمنطقة،  وفي مقدمهما التنافس على مقعد الرئاسة، وما يعنيه فوز أي مرشح في معادلات الصراع العربي الإسرائيلي ومسيرة الربيع العربي، وحتى انجلاء الحقيقة فالمؤكد أن الشعب المصري هو المستفيد الأول من توقيف تصدير الغاز إلى إسرائيل، وأن أي تغيير في حرارة السلام البارد بين إسرائيل ومصر سوف يكون عرضة لتغيرات أكبر بعد الانتخابات، ويخضع أساساً للموقف الإسرائيلي المتعنت من موضوع السلام، وكيف تنظر إسرائيل إلى عودة مصر للعب دورها الطبيعي كقاطرة للعمل العربي المشترك، ولعل العامل الحاسم هو تجاوز مصر هذه الفترة الحرجة، والالتفات بعدها إلى واجباتها القومية التي لا تنفصل عن أمنها القومي فقضايا فلسطين والسودان والمحيط العربي تنعكس في شكل مباشر على استقرار مصر ودورها العالمي.

سامر الياس

(المقالة تعبر عن رأي الكاتب، وهيئة التحرير غير مسؤولة عن فحواها)

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)

comments powered by HyperComments

لتثبيت التطبيق اضغط هنا

قم بإضافة تطبيق "RT Arabic" على متصفح اوبيرا (Opera) لتسهيل متابعة وقراءة اخر الاخبار من موقع قناة "RT Arabic". مع هذا التطبيق ستكون على علم بأخر الاخبار العربية والعالمية.

لتثبيت التطبيق اضغط هنا

قم بإضافة تطبيق "RT Arabic" على متصفح كروم (Chrome) لتسهيل متابعة وقراءة اخر الاخبار من موقع قناة "RT Arabic". مع هذا التطبيق ستكون على علم بأخر الاخبار العربية والعالمية.

لتثبيت التطبيق اضغط هنا

قم بإضافة تطبيق "RT Arabic" على متصفح موزيلا (Firefox) لتسهيل متابعة وقراءة اخر الاخبار من موقع قناة "RT Arabic". مع هذا التطبيق ستكون على علم بأخر الاخبار العربية والعالمية.